السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : العداء المصطنع والارتماء غير المحسوب في الحضن الإسرائيلي

شراع : العداء المصطنع والارتماء غير المحسوب في الحضن الإسرائيلي

خميس التوبي

في مواقع التواصل الاجتماعي يتداول ناشطون طرفة تقول “قابيل قتل هابيل بتحريض من إيران”، وبقدر ما تمثله هذه المشاركة من سخرية معبأة بآلام من الواقع الذي وصلت فيه السذاجة والبلاهة لدى قطاع عريض من الناس، ونجاح قوى رجعية مهترئة في سوق ذوي السذاجة والبلاهة كقطيع، بقدر ما تعبِّر عن إدمان اختلاق الكراهيات والأحقاد والعداوات واصطناع الأعداء واتخاذ معاداتهم ستارًا تتلطى خلفه تلك القوى الرجعية للاستمرار في سياسة القطيع والاستحمار التي تتبعها لتضمن بقاءها واستمرارها.
فالعداء المصطنع للجمهورية الإسلامية الإيرانية واستعداء كل ما هو إيراني ونسبة كل الشرور إليه، بات شماعة ومبررًا للتوغل في العمالة لكيان الاحتلال الصهيوني وحلفائه الاستراتيجيين، فقد صارت اليوم الأدوات في المنطقة من تنظيمات إرهابية وقوى رجعية داعمة وممولة لها تتقاسم مع كيان الاحتلال الصهيوني المصالح الاستراتيجية، وتعمل على أن تمد الفضاء الاستراتيجي لهذا الكيان الغاصب المسخ على حساب استقرار المنطقة وأمنها وتنميتها واستقلالها، وعلى حساب المصالح العليا لمجتمعاتها الموضوعة على مخطط التفتيت والتخريب والتقسيم كي لا يبقى أمن كيان الاحتلال الصهيوني مهددًا، وليبقى النفط سلعة بيد المتحالفين استراتيجيًّا مع كيان الاحتلال الصهيوني يتحكمون بها وبأسعارها، وعليها وبها يرسمون سياساتهم ومشاريعهم الاستعمارية.
الارتماء غير محسوب العواقب في الحضن ‏الصهيوني بدأ يأخذ أبعادًا خطيرة على مستقبل المنطقة، في حين يبذل كيان الاحتلال الصهيوني وحلفاؤه الاستراتيجيون قصارى جهدهم لاستثمار العداوة المصطنعة والمفتعلة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبعض الدول العربية بحكم مواقفها الرافضة والمقاومة للاحتلال الصهيوني ودعمها للشعب الفلسطيني ونضاله ضد المحتل، في ترتيب أوضاع المنطقة بما يحقق أهداف المخطط المرسوم بإعادة رسمها لصالح كيان الاحتلال الصهيوني.
هناك حدثان لافتان يعكسان حجم الارتماء غير المحسوب في الحضن الصهيوني، لكنهما ـ دون شك ـ يعدان أحد إفرازات العهد الجديد للنظام العربي الرسمي الذي تأسس على أنقاض مرحلة ما قبل “الحريق العربي”، ويستمد وهجه من عتاة الصهيونية والعنصرية، ويسترشد بتوجيهاتهم وبتعاليمهم من أمثال برنار هنري ليفي وبرنارد لويس وهنري كيسنجر. وهذان الحدثان هما: الأول: المشاركة العربية الواسعة في مؤتمر “هرتسيليا” الأمني الذي ينعقد سنويًّا لبحث السياسات الأمنية والدفاعية والعلاقات الخارجية لكيان الاحتلال الصهيوني، ما أثار علامات من الجدل والاستفهام في تطور العلاقة العربية الإسرائيلية رغم تجمدها على المستوى الفلسطيني الإسرائيلي. والثاني: التصويت العربي لصالح كيان الاحتلال الصهيوني لترؤسه اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، ما مثَّل مفارقة من العيار الثقيل، ذلك أن هذه اللجنة معنية بتطبيق القانون الدولي الإنساني واتفاقات حقوق الإنسان. فكيف يتأتى التصويت العربي لصالح مجرم لم يَرْعَ حرمة للدم العربي والفلسطيني، ويواصل وحشيته وجرائم حربه بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وبحق الشعوب العربية، ويستمر في التنمر على الحقوق العربية والفلسطينية، ويعض الأيادي العربية والفلسطينية الممتدة بمبادرات السلام وبأغصان الزيتون؟ وكيف يتأتى لمجرم حرب أن يكون على رأس لجنة حقوقية وقانونية أممية، في حين يجب أن يكون بين القضبان وأول المحكومين؟ إنه الزمن الرديء حيث المكان الوثير للخيانة والعمالة والنفاق والازدواجية والظلم والإرهاب والتكفير العنف والشر، ولا مكان للعدل والأمانة والنزاهة والتسامح والخير. ورغم الكشف عن دول عربية صوتت لصالح كيان الاحتلال الصهيوني ليرأس اللجنة إلا أن ذلك لم يفاجئ الفلسطينيين لكثرة التصريحات الإسرائيلية عن علاقات سرية باتت تجمع كيان الاحتلال ببعض الدول العربية.
الأخطر كان في مؤتمر هرتسيليا الأمني الصهيوني حيث خصص المؤتمر لبحث الهوية الجديدة لكيان الاحتلال الصهيوني وهي ما يسمى “يهودية الدولة” والترتيبات الجديدة في كل من سوريا والعراق وما بعد مرحلة تنظيم “داعش”، وتحديد أولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية، وأمن إسرائيل القومي، والاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي، وتسويق إسرائيل في الساحة العالمية الجديدة، ومكافحة إسرائيل لحملات المقاطعة العالمية BDS ومحاولات نزع الشرعية.
من الواضح أن المؤتمر انتقل إلى مرحلة متقدمة في ترتيب مستقبل كيان الاحتلال الصهيوني ليس فقط من خلال المشاركة العربية الواسعة التي كان من بين المشاركين “ثوار سوريا وأحرارها الجدد”، وإنما انتهاء التحديات التي يواجهها كيان الاحتلال الصهيوني والمتمثلة في الخطر المصيري على وجوده، والانتقال من “صفة وطن قومي” في فلسطين إلى صفة “يهودية الدولة” وتجاوز صفة “النظام العنصري”، ثم النجاح في معالجة أوضاع مليون ونصف من عرب 48.
ووفقًا لذلك، يبدو اتجاه المؤتمر واضحًا وهو أن لا تكون لسوريا والعراق وفلسطين في واجهة قضايا الأمة، بل هي المقصود، وهي الهدف الذي لم يتراجع الصهاينة وحلفاؤهم عن اللعب على أوتارها طوال الوقت لتكون ضحية هذه الحال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى انتهاء الاهتمام الإسرائيلي بأهمية النظام الرسمي العربي ووضع أي حساب له في المراحل المقبلة. وإزاء هذا الانحدار والتواطؤ العربي، أين الدور الإيراني في ذلك؟ ألا يعكس اتخاذ العداء المصطنع لإيران استحمارًا وسياسة قطيع لتبرير العمالة والخيانة الأفعال الشائنة؟

إلى الأعلى