الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / آباء وأبناء(2-2)

آباء وأبناء(2-2)

السيد عبد العليم

” الخلاصة ان الله سبحانه قد وهب الإنسان المال والبنون، وحذره في نفس الوقت من سوء التعامل معهما” إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ” التغابن 15. فربما كان التمسك بالأخلاق والفضيلة فيما مضى أفضل مما عليه الحال الان. ومع ذلك فإن تسليم الاباء الذقن والتخلي عن كل شيء بين ايديهم للأبناء أو للزوجة، يمكن ان يمثل مأساة للآباء. ومن ثم وجب الحذر وتعليم الناس بهذه الامور سواء في المدارس او في الخطب والدروس في المساجد.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم كيف كانت علاقة هؤلاء الآباء بأبويهم في الأساس؟ هل قاموا ببرهم ام انهم أعاقوهم؟ فكان تعجيل العقاب لهم من جنس العمل. اعمالا بما ورد في الاثر عن النبي صلى الله عليه وسلم”البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت. اعمل ما شئت كما تدين تدان”. او كما قال. وفي الحقيقة، لعل الكثير منا شاهد حالات عقوق متوارثة. حيث قام الابن وفي بعض الحالات البنت بعقوق اهلها، فجاء ابناؤهم ليعقوهم ويسقونهم من نفس الكأس. كما ان هناك من يغدق على أبنائه، بينما يبخل كل البخل على آبائه. فيبتلى بابناء جاحدين يبخلون عليه حتى بالمشاعر الانسانية مثلما بخل هو من قبل على آبائه.
ثم هل ربى مثل هؤلاء الاباء والامهات ابناءهم التربية الصحيحة، ثم كانت النتيجة هي تلك التصرفات المؤسفة؟ أي هل ربى هؤلاء الاباء ابناءهم على القيم والاخلاق النبيلة وروح الدين بشكل عملي وحقيقي؟ يبدو ـ والله أعلم ـ ان هؤلاء وامثالهم استثمروا لابنائهم من حيث السعي الجاد في تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم المادية وربما بشكل مفرط. لكنهم لم يستثمروا فيهم وذلك بتربيتهم التربية الصحيحة وتوجيههم وإرشادهم وتهذيبهم. على سبيل المثال ربما كان ذلك الذي ترك بنتيه لسنوات طويلة قد فعل ذلك خلال سن طفولتهن وابتعد عنهن وحصر مهمته في إرسال الأموال إليهن وبناء بيت لهن وتجهيزه بأفخم الاجهزة. فربما كان ذلك على حساب دور الأب الحقيقي ومشاعر الأبوة والمسئولية وكان بعيدا عن احتياجات بناته، فشعرتا بهجر وجفاء أبيهن في وقت كن في أشد الحاجة لشخصه وليس لأمواله، فانعكس هذا الجفاء عليهن نحوه. فكان هذا المسلك المستهجن.
ثم هل أنفق مثل هذا الشخص وغيره على ابنائه مالا حلالا خالصا أم حرام ام مختلط؟ بمعنى هل دخله او ايراداته التي أنفق منها على ابنائه حصل عليها بشكل حلال لا شبهة فيه، ام جاءت من مصادر مشبوهة، أم على حساب اشخاص اخرين اغتصب حقهم، أو ساعد في ظلمهم واغتصاب حقهم إرضاء لرئيسه أو مديره على حساب رضا ربه او على حساب موظف أو عامل بسيط في شركته أو مؤسسته وغير ذلك بشكل يدخل الحرام على هذا المال فيفسده ويتلفه ويجعله وبالا على صاحبه وأهله في الدنيا قبل الاخرة.
بمعنى هل فكر مثل ذلك الشخص في حقوق الغير كما فكر في حقوقه. فهذا الشخص الذي قد يظلمه بغية كسب أموال لابنائه، له هو الآخر ابناء بحاجة الى تلك الاموال فيتم حرمانهم منها. وقد يكون مثل ذلك الشخص مقتدرا فينهب اموالا ويظلم شخصا آخر ضعيفا لا حول له ولا قوة، فلا يكون أمام ذلك المظلوم او المقهور سوى الدعاء على ظالمه. وأبواب السماء مفتوحة لدعائه. فيستجيب الله دعاءه ولو بعد حين فتكون تلك الاموال التي اخذها ظلما وعدوانا ـ حتى لو زين له قرناء السوء والبطانة السيئة ذلك ـ وبالا عليه وعلى ابنائه. وليس سببا لسعادته وسعادتهم كما كان يظن. فيلقى منهم جحودا وعقوقا في الدنيا وحسابا من الله في”يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” الشعراء 88/89.
يقول الحق سبحانه: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] فصلاح الأب كان هو السبب لان يتولى الله سبحانه حفظ ماله لأبنائه في تلك المدينة، ولم يعط الاب هذا المال لاحد من أبناء المدينة يأتمنه عليه حتى يكبر أبناؤه ويسلمه لهم. وذلك لعلمه سبحانه بشح وعدم امانة كثير من اهل تلك المدينة، فكانت العناية الالهية هي التي تتولى حفظ ذلك الكنز وتسليمه للابناء في الوقت المناسب لهم لصلاح ابيهم. {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] دخل “مقاتل بن سليمان” رحمه الله، على “المنصور” رحمه الله، يوم بُويعَ بالخلافة،
فقال له “المنصور” عِظني يا “مقاتل” !
فقال : أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟
قال : بما رأيت.
قال : يا أمير المؤمين !
إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولدا ًوترك ثمانية عشر دينارا ً، كُفّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبناءه.
وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولدا، وكان نصيب كلّ ولد ٍ من التركة مليون دينار.
والله… يا أمير المؤمين:
لقد رأيت في يوم ٍ واحد ٍ أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق.
الخلاصة ان الله سبحانه قد وهب الانسان المال والبنون، وحذره في نفس الوقت من سوء التعامل معهما” إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ” التغابن 15. فربما كان التمسك بالاخلاق والفضيلة فيما مضى افضل مما عليه الحال الان. ومع ذلك فان تسليم الاباء الذقن والتخلي عن كل شيء بين ايديهم للأبناء او للزوجة، يمكن ان يمثل مآساة للأباء. ومن ثم وجب الحذر وتعليم الناس بهذه الامور سواء في المدارس او في الخطب والدروس في المساجد. لانه للاسف فان حالات العقوق التي ذكرنا نماذج قليلة منها، صارت اقرب للظاهرة الا ما رحم ربي. فليس من العقل ولا الشرع ان يتخلى الاب عن كل ماله لابناءه، ويعيش باقي عمره يتحسر على ذلك. وأنه يجب النظر الى قضية العقوق بشكل أعم وأشمل وليس فقط بالولولة والدعاء على الابناء.

السيد عبد العليم
باحث ومترجم سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى