الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أكذب الحديث (2)

أكذب الحديث (2)

إنما كان الظن أكذب الحديث لأن الشيطان هو الذي يقذفه في قلب الإنسان، فيعتقد الإنسان أنه في ظنه هذا يستند على أصل يعتمد ويتكئ عليه، فيكون الاغترارُ به أكثر من الاغترار بالكذب المحض البين.
أما استشكال تسمية الظن حديثًا، فجوابه بِأَنَّ تسميته حديثًا لأنه حديث النفس، أو أن الْمُرَادَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يَنْشَأُ عَنِ الظَّنِّ فَوُصِفَ الظَّنُّ بِهِ مَجَازًا، (المصدر: ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما يُنهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد).
ويقول الصنعاني:(.. سماه حديثًا لأنَّه حديث النفس، وإنما كان الظنُّ أكذب الحديث لأنَّ الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره. وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذبًا بحسب الغالب، فكان أكذب الحديث) (المصدر: سبل السلام ج4 ص190).
وأضيف إجابة أخرى وهي وإن كان الظن مرضًا قلبيًا؛ إذ هو تهمة تقع في القلب بلا دليل ولا برهان، إلا أنه يُعبر عنه غالبًا باللسان، وخطورة اللسان لا تخفى على أحد، وقد حذَّر (صلى الله عليه وسلم) من أذى اللسان فقال:(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ـ متفق عليه، وعن أبي عبيدة عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ولا يؤذي جاره أبداً) ـ رواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى ـ رقم الحديث:683، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه.
يقول الإمام الغزالي عن اللسان في كتابه إحياء علوم الدين، كتاب آفات اللسان: ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناول له وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء، واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله منتهى وحد، له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله وعلم ما يحمد فيه إطلاق اللسان أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله، وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان.
ولا ريب أن الكلمة الخبيثة تسري بين الناس سريان النار في الهشيم فإذا خرجت لاكتها الألسن، وتناقلها الناس بسرعة مذهلة مع الزيادة عليها بما هو أسوء وأخبث وأشنع وأنكى وأخطر، وهذا هو أكذب الحديث، وسبب كل ذلك سوء الظن، فالكلمة الخبيثة مقراض تُقرض به الأعراض والحرمات، ومعول تهدم به جسور المودة والقرابات، يقول سيد قطب في تفسيره الظلال:(وإن الكلمة الخبيثة كلمة الباطل كالشجرة الخبيثة قد تهيج وتتعالى وتتشابك، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض، وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض فلا قرار لها ولا بقاء).
أما عن أن مناسبة اقتران سوء الظن بالتجسس والتحسس وغيرهما مما ذُكر في الحديث الشريف، بل وتقديمه عليها؛ فلأن سوء الظن هو الذي يدفع الإنسان دفعًا نحو التجسس والتحسس، وهو الذي يجر الإنسان جرًا نحو الغيبة والنميمة وغيرهما من أمراض القلوب، بمعنى آخر أن سوء الظن هو الدافع الأول، والمحرك الأقوى لاقتراف بقية ما حُذرنا منه.
يقول أحد الكُتَّاب: والمناسبة في اقتران سوء الظن بالتجسس والغيبة لأن سوء الظن ينتهي بصاحبه إلى إدخال الضرر على من أساء به الظن بأي وسيلة فهو يتجسس عليه تارةً ويغتابه تارةً أخرى ويفتري عليه الكذب ثالثة وقد يتسبب في تشويه صورته بين الناس، أو فصله من عمله أو اتهامه بإحدى الجرائم التي لم يقترفها فلذا أمر الله بالتثبت وعدم التسرع في إلقاء التهم بناءً على الظن .. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى