السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ

غزوة بدر

إن هذا الشهر الفضيل (رمضان) هو مجمع الخيرات وعنوان الفضائل وميدان الانتصارات على مختلف مستوياتها المادية والمعنوية، فبالإضافة إلى أنه شهر الانتصار النفسي بالصبر وتربية الإرادة والتخلص من الشح والبخل، فهو شهر الانتصار الصحي كما في الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم):(صوموا تصحوا) وهو شهر الانتصار السياسي والعسكري كما رأينا ذلك جلياً في غزوة بدر الكبرى التي حدثت في رمضان في اليوم السابع عشر في السنة الثانية من هجرته (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، وكانت بلا شك فيصلاً بيناً بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، نعم لقد كانت غزوة بدر رغم صغر حجمها فاصلة في التاريخ، لذلك سماها الله في القرآن الكريم يوم الفرقان إذ فرّق بها بين الحق والباطل، وكانت أصداؤها عميقة في المدينة ومكة وأرجاء الجزيرة العربية، ولهذه الغزوة مكانة رفيعة ومتميزة في تاريخ الإسلام إذا ما قيست بغيرها من الغزوات، فقد وَسَمَت المجاهدين الذين اشتركوا فيها بوسام متميز من التقدير والاحترام، وسجل التاريخ بطولاتهم في صفحات مشرقة بحيث صار المجاهد البدري يُعرف بطلاً مقداماً يتمنى المسلمون أن لو كانوا مكانه، فكان يكفي المسلم قدراً آنذاك أن يقال عنه انه بدري.
أما السبب في أهمية هذه الغزوة فيعود إلى حجم الانتصارات التي حققها المسلمون في هذه الغزوة بقيادة النبي محمد (صلَّى الله عليه وسلم) من جانب، و إلى التأثيرات الإيجابية التي خلّفتها هذه الغزوة في نفوس المسلمين من جانب آخر، إذ رفعت من معنوياتهم وزادت في إيمانهم، وهزَّت كيان العدو وضعضعت عزيمته، كما وغيّرت وجهة نظر الأعداء إذ صاروا بعدها ينظرون إلى المسلمين أنهم قدرة لا يستهان بها.
وأمر سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتذكروا دائما تلك النعمة العظيمة نعمة النصر في بدر، ولا ينسوا من أذهانهم كيف كانت حالتهم قبل النصر, قال تعالى:(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال ـ 26).
يوم الفرقان:
سُمي يوم بدر يوم الفرقان, ولهذه التسمية أهمية عظيمة في حياة المسلمين، وقد تحدث الأستاذ سيد قطب عن وصف الله تعالى ليوم بدر بأنه يوم الفرقان في قوله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الأنفال ـ 41)، فقال: كانت غزوة بدر، التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده, فرقانًا بين الحق والباطل، كما يقول المفسرون إجمالاً، وفرقانًا بمعنى أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرًا. كانت فرقانًا بين الحق والباطل فعلاً.
وكانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصويرًا جديدا للحياة, ومنهجًا جديدًا للوجود الإنساني، ونظامًا جديدًا للمجتمع، وشكلاً جديدًا للدولة، بوصفه إعلانًا عامًّا لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته, ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته.
ونستفيد من دروس بدر أن أهم ما قام به النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون من شؤون فيها هي التي أدت إلى نتيجة الظفر والنصر المؤزر بإذن الله الذي وعدهم به بعد أن استجابوا له وقدموا أسباب النصر، فمن أعظم ما مهروا به ذلك النصر.
أولاً: الإيمان والعقيدة الراسخة، التي تبدت في جواب المهاجرين أبي بكر وعمر والمقداد بن الأسود بل في رد الأنصاري سعد بن معاذ إذ لم تكن المعاهدة بين الرسول والأنصار تقضي إلا أن يدافعوا عنه داخل المدينة، ولكن المعركة الآن خارجها، فكان الجواب: امض لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! أي إننا ندافع عن الدين في كل مكان وأننا بيعتنا معك إنما هي بيعة مع الله لا تحددها نصوص مؤقته بل هي ممهورة بالصك العظيم الذي وصف الله به الدعاة المجاهدين (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) (التوبة ـ 111).
وهكذا تفعل ريح الإيمان إذا هبت، والجدير بالذكر أنه تجلت في هذه المعركة مشاهد رائعة برزت فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ إذ التقى في القتال الآباء بالأبناء والإخوة بالاخوة والأقارب بالاقارب خالفت بينهم المبادئ ففصلت السيوف، تواجه أبوبكر مع ابنه عبدالرحمن ولم يشفع مصعب بن عمير لأخيه أبي عزيز وهو أسير، وكذلك رأى أبو حذيفة المسلم أباه عتبة بن ربيعة بين القتلى يرمي في القليب فكانت عقيدة الولاء والبراء تعمل عملها في الجيل القرآني الفريد الذي رباه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ثانياً: الأخذ بمبدأ الشورى، حيث ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استطاع بعقد المجلس الاستشاري أن ينضح الأفكار لخوض المعركة، فشاور أصحابه وأبدى المهاجرون والأنصار كلاما حسنا في الشروع الحربي، وكذلك في مكان المعسكر تجاه المشركين وقال الحباب بن المنذر كلمته للرسول في أن ينزلوا أدنى ماء من بدر فتحول إلى المكان الذي أشار إليه راضيا لان في هذا مصلحة الأمة والحفاظ على نصرها ألا يكون، وهكذا كانت كل حياته (صلى الله عليه وسلم) على مبدأ الالتزام بالتشاور فيما لا نص فيه من الشارع لأن هذا من باب أحكام الإمامة والسياسة الشرعية الخاضعة للاجتهاد.
ثالثاً: القيادة الموحدة، حيث كان رسول الله القائد العام وكان المسلمون يعملون كيد واحدة وكانوا منضبطين بالالتزام بأمر القائد وإذا كان الضبط اساس الجندية فقد كان جيش المسلمين ممتازاً في التعاون مع القائد وضبط الاعصاب في الشدائد أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام إذ كان أكثر سراة قريش من قوات المشركين ولكن البارزين كما يبدو كانا رجلين هما عتبة بن ربيعة وأبو جهل ولم يكونا على رأي واحد وقد طغت الأنانية لدى جيشهم على المصلحة العليا.
رابعاً: الدعاء والاستغاثة بالله، حيث أخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) بسبب الدعاء والدعاء هو العبادة كما في حديث أبي داود فكيف إذا كان في رمضان شهر استجابة الدعاء وهو صادر من سيد الخلق المقرب إلى مولاه، حيث كان يدعو ـ كما في صحيح مسلم:(اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أمنهم الغداة)، وظل يناشد ربه متضرعاً خاشعاً وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى اشفق عليه أبو بكر فالتزمه من ورائه قائلا يا رسول الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك، وأقبل المسلمون يستنصرون الله ويستغيثون ويخلصون في الضراعة.

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى