الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / يوم التقى الجمعان

يوم التقى الجمعان

في شهر رمضان في اليوم السابع عشر منه في السنة الثانية بعد الهجرة وصحابة رسول الله )صلى الله عليه وسلم( صائمون، التقى الجمعان في غزوة بدر الكبرى أو العظمى ـ كما سماها ـ مؤرخو السير لما لها من الجلال ورفعة الشأن وكانت هذه الغزوة أولى الغزوات المشهورة في تاريخ الإسلام وبعض المؤرخين سماها بـ (يوم الفرقان) كما سماها القرآن الكريم:(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير) (الأنفال ـ 41)، والبعض منهم سماها يوم البطشة الكبرى أخذاً من قول الله تعالى:(يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) (الدخان ـ 16).
ولقد مضى الرسول (صلى الله عليه وسلم) المدة التى أعقبت الهجرة وبين هذه الغزوة في إرسال السرايا والطلائع التى أراد منها إشعار المشركين بأن المسلمين المهاجرين لم يذلوا ولم يهانوا ولم يهونوا بسبب الهجرة بل هم ما زالوا في تماسك وتعاون وأراد منها كذلك أن يعقد مصالحات ومعاهدات مع الذين يحيطون بالمدينة من جموع وقبائل حتى لا تأتيه الطعنات من الخلف إذا بدأ المعركة مع المشركين وجها لوجه كما أراد التعرض لقوافل المشركين التجارية ليستولى عليها كتعويض جزئي عن أملاك المسلمين التي استولى عليها المشركون عند الهجرة وعقبها ولقد أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) في رمضان في السنة الأولى للهجرة عمه حمزة بن عبد المطلب ومعه ثلاثون فارساً من المهاجرين إلى ناحية تسمى (العيص) بالقرب من ساحل البحر الأحمر ليعترض طريق قافلة كانت ذاهبة إلى الشام يقودها عدو الله وعدو رسوله وعدو الإسلام والمسلمين أبو جهل.
وفي شوال من السنة نفسها بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) عبيدة بن الحارث ومعه ثلاثون رجلاً في سرية بلغت ماء بأرض الحجاز بأسفل (ثنية المرة) للاستطلاع والاستكشاف وفي بداية السنة الثانية خرج النبى بنفسه مع عدد من المسلمين حتى بلغ قرية (ودان) وعقد مصالحة مع قبيلة بني ضمرة وكتب النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك كتاباً يقول: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وأن لهم النصر على من رامهم (أى هاجمهم) إلا أن يحاربوا في دين الله، وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله وقضى النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه السرية خمسة عشر يوماً ثم أقبلت بوادر الغزوة الكبرى في شهر جمادى الأولى علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن قافلة تجارية ضخمة للمشركين الباغين المعتدين قد أخذت طريقها نحو الشام وفيها ما قيمته خمسون ألف دينار وقد حملها ألف بعير ويقودها أبو سفيان بن حرب الذي كان زعيما للمشركين في ذلك الوقت وقد أسلم فيما بعد عند فتح مكة فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه نحو المائتين من أصحابه ليقطع الطريق على قافلة الأعداء في مقابل ما استولوا عليه من أموال المسلمين المهاجرين من ديار وعقار وأشياء أخرى وسار النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) حتى وصل إلى مكان يقال له العشيرة وهناك علم أن القافلة قد مرت قبل وصوله (وحالف النبي في هذه الرحلة قبيلة بن مدلج) وفي شهر رجب أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) عبد الله بن محسن الأسدى مع مجموعة من المهاجرين وأعطاه كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد يومين من سيره في الطريق الذي عينه له النبي وبعد اليومين فتح عبد الله الكتاب فوجد فيه: إذا نظرت في كتابى هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشا وتعلم لنا من أخبارها.
وأرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) اثنين من أصحابه هما طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ليستطلعا أخبار القافلة ويترقبا عودتها حتى يخبر الرسول عند اقترابها ليخرج إليها فمضى الصحابيان ونزلا في مكان يسمى الحوراء ولما علما باقتراب القافلة سارعا بإخبار النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) عنها وانتهز النبي (صلى الله عليه وسلم) الفرصة واستخدم عنصر السرعة فاستدعى الحاضرين من المسلمين ليشاورهم وقال لهم هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها عل الله ينفلكموها أى يجعل ما فيها أنفالكم أى غنائم مباحة فاستجاب فريق من المسلمين للخروج ولم ينشط فريق آخر وذلك لأن الرسول لم يفرض عليهم وظن الباقون أن الأمر لا يزيد على مهمة الاستيلاء على القافلة وهي مهمة يسيرة لأن القافلة محروسة بنحو أربعين رجلاً وكان مع النبي في هذا اليوم نحو ثلاثمائة وخمسة ومعهم سبعون بعيراً وكانوا يشتركون في ركوب الإبل بالتناوب واشترك النبي (صلى الله عليه وسلم) مع علي بن أبى طالب وآخرين فقالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) اركب ونحن نمشي عنك يارسول الله فرفض النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصر أن يأخذ حصته من المشي وقال لهم ما أنتم بأقوى مني وما أنا بأغنى منكم عن الأجر ولما بلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابه المكان الذي من المفروض أن تمر منه القافلة علموا أن قائدها أبا سفيان قد نجا بها بالقافلة.
كان أبو سفيان يحس في أعماق نفسه بأن المسلمين سيترصدون له وأنهم إذا استطاعوا الوصول إليه فسيستولون على القافلة ولذلك كان يتحسس الأخبار من كل مكان وهو في طريقه بالقافلة وقد سأل بعض الأعراب الذين لقيهم في الطريق هل شاهدتم أحدا فأجابوا لم نرَ سوى رجلين ألما بالماء واستقيا منه ومعهما بعيران لهما ثم ارتحلا فذهب أبو سفيان إلى ناحية البئر وبحث فى الأرض فوجد فيها بعرات فتت بعضها بيده فوجد فيها نوى المدينة فأدرك بقوة ملاحظته أن الرجلين من المسلمين وأحس أن هناك حركة فسارع وأبعد القافلة عن الطريق المعتاد واتجه بها نحو الساحل وأرسل إلى قريش يخبرهم بأن المسلمين يترصدون للقافلة فليبادروا للخروج لإنقاذها واستجاب المشركون لنداء الشر وزادهم تحريضا أبو جهل اللعين حتى أجمعوا على الخروج للحرب ولما هم أمية بن خلف أن يتخلف عن الخروج جاءه أبو جهل ومعه مكحل ومرود وقال له اكتحل يا أبا أمية على إنما أنت امرأة، وجاءه عقبة بن أبي معيط ومعه مجمرة فيها بخور وقال له استجمَر يا أبا على فإنما أنت من النساء فثارت حميته وأخذته العزة بالإثم وخاف الفضيحة والعار فسارع بالخروج مع القوم.
نترك هذا الجمع المشرك الذي قارب الألف وخطواته الأثيمة نحو بئر بدر ونعود لنرى ماذا فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لقد بلغوا طريق القافلة ثم بحثوا عنها فوجدوا أنها أفلتت للمرة الثانية وبينما هم في تفكير وتألم لما حدث بلغهم أن المشركين قد خرجوا يريدون حرب المسلمين والتنكيل بهم تأديبا لهم على تفكيرهم في التعرض للقافلة وهنا جاء الموقف الحاسم فماذا يصنع المسلمون.
لقد خرجوا في عددهم القليل ليعترضوا طريق القافلة لا للحرب وعندما أفلتت القافلة ماذا يصنعون هل يرجعون أم ينتظرون إن عددهم قليل وعدتهم أقل أمام عدد المشركين وعدتهم، لكن التقهقر والارتداد إلى المدينة أمام جيش زاحف لهو بالأمر الخطير فقد جاء في الحديث:(ما غُزي قوم في دارهم إلا ذلوا) لابد إذن من الصبر والثبات وأراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستشير أصحابه كعادته فقال لهم مستشيرا ومثيرا إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فماذا تقولون: العير أحب إليكم أم النفير، العير يقصد بها القافلة والنفير يقصد به الحرب والقتال نهض المقداد بن عمرو قال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون ما دامت فينا عين تطرف فوالذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد (بلد بالحبشة) لسرنا معك.
ولاح الرضا والسرور على وجه الرسول من هذه الإجابة وتلك الحماسة ولكنه عاد يقول: أشيروا علي أيها الناس وكأن الأنصار فهموا ما يريد الرسول فوقف سعد بن معاذ وقال لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أجل، فقال سعد: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها ألا ينصروك إلا في ديارهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاطعن حيث شئت وصل حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وما أخذت كان أحب إلينا مما تركت فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا وإنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله يريك ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى وزاد سرور رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين العير أو النفير فوالله لأكنى أنظر إلى مصارع القوم، وهكذا انطلق الجيش الإسلامي المؤمن القليل في عدده الجليل في إيمانه ويقينه لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ونعود لنرى ماذا كان من شأن الكافرين لقد نجا أبو سفيان بالقافلة وأصبح في مأمن وبعث رسولا ثانيا يخبرهم أنه لا داعي لخروجهم فقد سلمت القافلة ونجت ولكن هل يرضى الكفر بذلك هل يخرج الطغاة عن نية القتال إن الطغاة لن يقبلوا هذا ولذلك قال أبو جهل لا نرجع حتى نأتي بدراً فنقيم هناك ثلاث ليالٍ ننحر الجزر ونطعم الطعام ونشرب الخمر وتعزف لنا الفتيان وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ونزل المسلمون بمنزلهم، وأشار الحباب بن المنذر على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتعديل المكان لأسباب تتعلق بتموين الجيش ويكون النزول عند بئر بدر إذ لم يكن هذا المكان بأمر من الله تعالى لنبيه فنزل النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى المكان الذي أشار إليه الحباب بن المنذر وتراءى الجمعان ولابد كي تشتعل المعركة من شرارة تشعلها فكيف جاءت هذه الشرارة تحرش المشركون بالمسلمين وأظهروا التحدي لهم فهجم أحد المشركين على صف المسلمين يحاول اختراقه ليبلغ الماء من خلفهم متحدياً لهم فعاجله حمزة بن عبد المطلب بضربة قضت عليه وعقب هذا خرج ثلاثة من المشركين يطالبون بأن يخرج إليهم ثلاثة من المسلمين للمبارزة وخرج الثلاثة وبدأت المبارزة وقضوا على أعدائهم الثلاثة وهنا جاء الالتحام والقتال العام وتحقق النصر في النهاية لأبناء الإسلام وإلى هذا أشار القرآن الكريم وتدخل الملائكة بأمر الله تعالى وتحقق النصر للمسلمين وكان ذلك في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة وإلى لقاء في يوم الفتح إن شاء الله.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى