السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من دروس غزوة بدر(2)

من دروس غزوة بدر(2)

كانت غزوة بدر الكبرى أول موقعة لإحقاق الحق وأهله وهزيمة الباطل وإذلاله، ووقعت في السنة الثانية من الهجرة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، وقد نصر الله تعالى المسلمين على الكافرين في تلك المعركة التاريخية التي لايخفى علينا تفاصيلها وأحداثها من بدايتها إلى نهايتها.
والذي يعنينا ويهمنا من غزوة بدر الكبرى أن نتعظ ونعتبر من دروسها وليس فقط أن نعلم بمجريات أحداثها دون أن تكون لنا أثر ووقع في نفوسنا، فالله تعالى عندما قص علينا القصص في القرآن الكريم إنما قصها لنا بهدف الحصول على العبرة والموعظة قال تعالى:(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، وقال أيضاً: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال تعالى عندما قصّ لنا هلاك قوم لوط: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).
ومن الدروس والعبر التي نتعلمها من غزوة بدر الكبرى أن النصر بيد الله سبحانه وتعالى وليس بسبب القوة العسكرية أو المالية أو الخطط الحربية لأنها مجرد أسباب يؤخذ بها لتحقيق النصر إلا أن هذه الأسباب ليست هي المحققة للنصر لأن الناصر الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، فهو رب البشر وهو خالقهم وهو رازقهم وهو الذي بيده موتهم أو حياتهم وهو الذي بيده كل شيء فهو مالك الملك وهو على كل شيء قدير.
وقد بين الله لنا هذه الحقيقة بقوله:(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فالآية الكريمة تبين أن المؤمنين كانوا في ضعف فعددهم أقل من عدد الكافرين وكذلك عدتهم من مال وأسلحة وغيرها مما يحتاجه الجيش في الحرب، فلو كان ذلك الزمن متخصصون في العلوم السياسية والعسكرية والاقتصادية وقاموا بدراسة تحليلية لجيش المسلمين وجيش المشركين قبل المواجهة لتوقعوا انتصار المشركين لأن مقومات النصر عندهم فهم الأكثر مالاً وسلاحاً وعدداً ويكفي أن عددهم يفوق عدد المسلمين بثلاثة أضعاف، ومن الصعب جداً أن يهزم الرجل ثلاثة مقاتلين ولو كان صاحب مهارة وخبرة في القتال.
ولكن انتهت المعركة بانتصار المسلمين على المشركين وهي في حد ذاتها آية من آيات الله قال تعالى:(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) فقد قوى الله تعالى معنويات المؤمنين بأن قلل عدد المشركين في أعينهم فصار المسلمون قبل المعركة ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم أكثر عدد من الكافرين وصار الكافرون ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم أقل عدد من المسلمين، وهذا كله بفضل الله تعالى وتأييده قال تعالى:(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ومن تأييد الله لهم أن أمدهم بالملائكة قال تعالى:(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
وهكذا كان النصر من عند الله ليعلم الله المؤمنين المشاركين في المعركة وكذلك ممن لم يشارك والأجيال التي تأتي من بعدهم أن النصر من عند الله قال تعالى:(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

عبدالله بن يحيى الحارثي

إلى الأعلى