الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / غزوة بدر الكبرى دروس وعبر

غزوة بدر الكبرى دروس وعبر

سبب غزوة بدر الكبرى أن رسول الله )صلى الله عليه وسلم( علم أن قافلة تجارية لقريش قادمة من الشام إلى مكة ويقودها أبو سفيان بن حرب فأراد رسول الله )صلى الله عليه وسلم( أن يعترض هذه القافلة ويأخذ ما فيها لتعويض ما تركوه في مكة من متاع وأموال أجبرتهم قريش على تركه عند خروجهم من مكة مهاجرين, لكن أبا سفيان بن حرب علم بهذا الأمر وأرسل يستغيث بقريش في مكة وطلب منهم المدد للحفاظ على أموالهم وتجارتهم وفي نفس الوقت نجح أبا سفيان في النجاة بالقافلة وأرسل إلى زعماء قريش أن ارجعوا فلقد نجونا ولكن كبار زعماء قريش وعلى رأسهم أبو جهل أصرواعلى الحرب ليردوا لقريش هيبتها، فكانت الغزوة ووقعت أحداث هذه الغزوة في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة وبالتحديد في يوم السابع عشر منه وكانت يوم جمعة, وسمّي هذا اليوم بـ (يوم الفرقان) فلقد أعزّ الله فيه الإسلام والمسلمين، ومع أن عدد المسلمين كان أقل من عدد المشركين إلا أن الله تعالى أعزّ جنده وصدق وعده وهزم الأحزاب وحده. فقد ورد في تفسير ابن كثير أن عدد المسلمين كان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كان فيهم فرسان فقط وسبعون بعيراً, والباقون مشاة ليس معهم من العُدد جميع ما يحتاجون إليه, وكان عدد المشركين ما بين التسعمائة إلى الألف ومع هذا الفارق الشاسع في العدة والعتاد إلا أن الله تعالى نصر المسلمين نصراً مؤزراً, وفي هذا بيان لكل المسلمين الموحّدين المعتمدين على الله تعالى, في هذا بيان لهم أن النصر من عند الله وليس بكثرة العدد والعتاد.
القارئ الكريم: عندما نتحدث عن غزوة بدر الكبرى ونقرأها بتمعّن نرى فيها من المعجزات ما يدعونا إلى أن نقف وقفة مع أنفسنا هذه الوقفة نتذكر فيها حالنا اليوم وما فيه من الضعف والوهن والركون إلى الدنيا ومتاعها الزائل, فأصبحنا ضعفاء لدرجة أننا ركنّا إلى الدنيا وتغلغل حب الدنيا في قلوبنا, فأصبحنا نخاف الموت ونخاف من فوات الرزق مع أن الأرزاق بيد الله تعالى وأصبحنا ندعو فلا يستجيب الله تعالى إلا للقليل منا والسبب: حب الدنيا ونسيان الآخرة، والموت سيأتي لا محالة, فلماذا وصل بنا الحال هكذا فصرنا عبيداً للمال والشهوات وحب الدنيا وأصبح شغلنا الشاغل كيف نوفّر لأولادنا سُبل العيش وفقط لم يسأل أحدُ منا نفسه عندما تمرّ عليه مثل هذه المناسبات العظيمة: ماذا قدمت لديني وماذا أعددت للقاء ربي؟.
إن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ضرب لنا أروع الأمثلة في الحرص على مرضات الله تعالى, وفي نفس الوقت الحرص على إظهار التوكل على الله تعالى مع الأخذ بالأسباب، وأيضاً الإخلاص في الدعوة وبذل كل غال ونفيس في سبيل تبليغ الدعوة مع ما لقي من عذاب واضطهاد, ومع هذا صبر ودعا ربه في يقين ثابت ومعرفة تامة بأن الله تعالى ناصرُ دينه لا محالة، وخاصة في يوم غزوة بدر الكبرى، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكثر من الدعاء حتى نزل قول الله تعالى:(إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) (الأنفال ـ 9)، وقال تعالى:(كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهو ينظرون) (الأنفال 5 ـ 6).
ومن أهم العبر والدروس المستفادة من هذه الغزوة المباركة:
أولاً: مبدأ الشورى الذي نفذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وذلك عندما قال لأصحابه أشيروا علي أيها الناس فكان أن تكلم المهاجرون كلاما فيه التأييد الكامل والاستعداد لأمر الله, وأيضا تكلم زعيما الأنصار من الأوس والخزرج كلاماً طيباً فيه الإعلان عن استعدادهما لكل ما هو متوقع حتى لو خاضوا البحار في سبيل نصرة دين الله تعالى. ويأتي دور الصحابي الجليل الحباب بن المنذر ـ رضي الله عنه ـ عندما قال يا رسول الله: هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نجاوزه, أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ قال له رسول الله (بل منزل نزلته للحرب والمكيدة) فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ولكن سر بنا حتى ننزل علي أدنى ماء يلي القوم ونُغّورُ ما وراءه من القُلَب ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله وفعل ذلك وكانت نعم المشورة التي أشار بها هذا الصحابي الجليل.
ثانياً: ومن الدروس المستفادة من غزوة بدر أيضا سرية التخطيط للمعركة وهذا ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلقد أخذ يسأل ويتحرى عن أي معلومة تفيده عن العدو حتى عرف أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف عرف ذلك لما سأل رجلين عن طعامهم فعرف أنهم ينحرون يوم تسعة من الإبل؛ ويوما عشرة فقال هم ما بين التسعمائة إلى الألف وبالفعل كان هذا هو ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لقد كانت غزوة بدر الكبرى فاتحة خير للمسلمين, إذ سمع العرب والعجم وكل من في الجزيرة العربية ومن حولها بالمسلمين وبدعوة الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصبح الكل يسأل عن هذا الدين الجديد وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.
ثالثاً: من الدروس المستفادة درسا مهما ألا وهو: نصر الله لعباده المؤمنين إن هم تمسكوا بدينهم ونصروا دعوة الحق لأن الله تعالى ينصر من ينصره ويثبت أقدامه على طريق الحق، قال تعالى:(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (محمد ـ 7).
ومن الواجب علينا أن نتذكر في هذه المناسبة الكريمة نتذكر مواقف المهاجرين والأنصار الذين أظهروا شجاعة وبسالة في لقائهم للعدو ولم يخافوا من الموت بل أقبلوا علي الحرب وهم واثقون في نصر الله تعالى لهم ومن أجل ذلك وهب الله لهم الحياة. ولكن أي حياة ؟ إنها حياة العزة والكرامة والهامة المرفوعة ,والفرحة بنصر الله تعالى لها ومع هذا فلقد أنجز الله لهم ما وعدهم إياه وهو النصر ومن ثم : الغنيمة الكبيرة التي غنموها من قريش وهذا بفضل الله تعالى وتأييده لهم.
القارئ الكريم: ونحن نتذكر هذه الغزوة الكبرى ألا وهي غزوة بدر نتوجه إلى الله بالدعاء أن يوفق المسلمين والمسلمات ونحن في شهر الصوم أن يوفقهم إلى عمل الصالحات, وأن يؤلف بين قلوبهم, وأن ينصرهم على أنفسهم وعلى أعدائهم اللهم آمين .. والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة / سوق مطرح

إلى الأعلى