الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 17

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 17

المرحلة الثانية ـ جودة الإلقاء:
في امتحان الخطابة بالازهر كان للامتحان منهج خاص، ومن مميزاته أن القسم الخاص بالخطب المكتوبة تتولى فحصه لجنة رباعية لتمنحه الدرجات المناسبة، وكان الوالد يشارك في تلك اللجان فيشعر بأمر غريب، وهو أن بعض الخطب تكون في مستوى متوسط ولكن من يقوم بقراءتها من أعضاء اللجنة قد يكون جيد الإلقاء، فيكسو النص من حسن القائه ما يجعله في تقدير كافة الأعضاء أعلى من مستواه الحقيقي.
ويحدث العكس عندما يقرأ أحد الخطب الجيدة عضو لا يكون حسن الالقاء، فان مستوى تلك الخطبة الجيدة ينحط ـ في تقدير بقية الاعضاء ـ عن حقيقة مستواها.
وفي بعض الاحيان يختلف الاعضاء اختلافا بعيدا في تقدير احدى الخطب، فيضطرون إلى إعادة قراءتها، وعندئذ إما أن تنزل قيمتها نزولاً يجمع على اعتباره كافة الأعضاء، وإما أن ترتفع قيمتها لديهم جميعاً، وفي كثير من الاحوال لا يكون ذلك التأرجح في التقدير، الا أثراً من آثار الالقاء وما صحبه من نغم مناسب.
نغم الالقاء:
إن الاشياء البسيطة كثيراً ما تعرض في أغلفة أو ظروف تم اختيارها من مادة جيدة، ووقع ادراج تلك الاشياء فيها بعناية وذوق، فكان لتلك الأغلفة والظروف من الجاذبية ما يجعل قيمة الشئ المعروض فيها أرفع مما لو لم يعرض فيها، أو لم يكن وضعه فيها بتلك العناية وبذلك الذوق.
وتنطبق هذه الحقيقة على الكلام نفسه، فكم من الكلام ما كان ذا معنى مألوف أو حكم معروف ولكن المتكلم به يكسوه من صفاء صوته، ورونق نبراته ما يأخذ المستمع بنشوة إلى التعرف على شئ لم يكن يعرفه من قبل.
ومن هذه الحقيقة ندرك الفرق بين الخطيبين: خطيب يسرد الخطبة بنغم لا يتبدل من بدايتها إلى نهايتها، أو يكاد لا يتبدل كذلك، وخطيب تتنوع تموجات صوته تبعا لما يحمله التعبير من مختلف المعاني، فالأول شبيه كل الشبه بتلميذ يقرأ درسا من كتاب مدرسي، أما الثاني فهو متمتع بحوافز جودة الالقاء المطلوبة في كل خطيب.
وكم من خطبة ألقاها خطيب ملم بفن الالقاء، فكان لها في نفوس السامعين أبلغ الأثر، فإذا نشرتها إحدى المجلات ظهرت قيمتها وهي مقروءة أدنى كثيرا من قيمتها التي كانت لها وهي مسموعة، وليس ذلك الا لما كساها الخطيب من جمال نبراته المتمثلة في حسن القائه.
إن الخطبة ما هي إلا وسيلة لابلاغ ما فكر فيه الخطيب إلى عقول السامعين وقلوبهم وما سميت الخطبة إلا لتسمع، وبأدنى انتباه إلى اسمها، ندرك أنها نوع من الخطاب، والخطاب لابد أن يتناول مختلف المعاني، فكان من الواجب أن تتنوع نغمات الخطاب تبعا لتنوع المعاني.
صفات الالقاء الجيد:
ينبغى للخطيب أن يراعي في القائه مجموعة من الأوصاف ومن أهمها: كونه ـ في معظم الخطبة ـ متوسط السرعة لا بطيئاً ولا عجولاً ويمكن ـ في أثناء الخطبة ـ أن يلقي نصاً أو حكمة أو فقرة من الفقرات إلقاء بطيئاً، وبنغم مناسب للمعنى، ومغاير لما سواه من النغم، وأن تختلف تموجات صوته فلا يكون بنغم رتيب لا يتبدل أو يكاد لا يتبدل، وإن النغم الرتيب في الإلقاء شبيه بصوت الماء النازل من صنبور مياه (حنفية) يكون على مستوى واحد من النغم الثابت، وإن مثل هذا الالقاء قلما يشد انتباه السامعين اليه، بل انه مجلبه للتثاؤب والنوم أو الضجر والسآمة، سواء أكان النغم لطيفاً أم عنيفاً، وأن يلائم بين المعاني ونغمات صوته، بحيث تختلف فيه نغمة الترغيب عن نغمة الترهيب، ونغمة الرجاء عن نغمة الخوف، وهكذا يختلف النغم بين الابتهاج والاكتئاب، وبين الغضب والاشفاق، وبين التعجب والتحسر، وبين الاخبار والتساؤل .. إلخ، وأن يضغط على الكلمات التي يحتاج الموقف إلى إبرازها حتى تستأثر بوقع خاص في أسماع المنصتين وفي عقولهم أو قلوبهم.
فلو نطق الخطيب بمثل هذه الجملة:(الوالد الصالح نعمة من الله يجب الشكر عليها مدى الحياة) لكان من الواضح أنه يقصد كل عبارة بذاتها من تلك الجملة، ولكن اهتمامه في الجو الخاص بتلك الخطبة، قد ينصب على صلاح الذرية، وفي هذه الحالة يكون من المناسب أن يبرز كلمة (الصالح) بالضغط عليها، حتى يميزها النغم العالي عن بقية الفاظ الجملة، ليلفت اهتمام السامعين إلى منزلة هذا الصنف من الذرية، وقد يكون اهتمامه في تلك الخطبة متوجها إلى تعداد ما تفضل الله به على بني ءادم على حد قوله تعالى:(وجعل لكم من ازواجكم بنين وحفدة) (النحل ـ 72)، فيحسن إبراز (نعمة)، وقد يريد لفت الانتباه إلى أن هذا الفضل فضل عظيم لأنه من عند الله، والفضل إذا كان من عند الله كان فضلاً عظيماً، وهنا يضغط على عبارة (من الله) .. أما اذا كان بصدد الحث على الشكر أبرز كلمات (يجب الشكر عليها)، وإذا أراد الحث على مواصلة الشكر ضغط على قوله (مدى الحياة) ليشعر السامعين أن هذه النعمة ينبغي أن يتواصل الشكر عليها بتواصل بقائها.
ولكي ندرك الأثر الطيب لمثل هذا التصرف الجيد يمكننا أن نلتفت إلى ما يجرى في الكلام العادي إذا صدر عن متكلم لما يحدثه النغم من أثر في نصاعة البيان، مثال ذلك إذا قال هذا المتكلم:(إن العربة تنتظر بالباب منذ نصف ساعة) فهو قد يبرز كلمة (العربة) عن اخواتها بنغم ضاغط ليدفع بذلك توهم السامع أنه سيذهب مشيا على قدميه إذ لم يُسرع، وقد يبرز عبارة (تنتظر) ليشعره بأن الاهتمام بشأنه ترتب عليه أن تنتظر العربة، وقد يبرز عبارة (بالباب) لافهامه أن العربة قريبة منه كل القرب، وقد يبرز كلمات (منذ نصف ساعة) لاعلامه بأن الانتظار قد طال إلى هذا الحد.
وهكذا تختلف أحوال المخاطبين بالكلام الواحد، ويكون النغم خير معبر عن المقاصد الخاصة لكل متكلم، ولكن الخطيب أولى الناس بمراعاة نغم الخطاب.
ومن هنا يتبين الفرق الشاسع بين الكلام الذي يكتب، والكلام الذي يسمع وتظهر الحاجة إلى اهتمام المتكلمين بتنويع نغمات الخطاب، اذ لا يخفى أن هناك فرقا بين الكاتب والخطيب، فالكاتب يعتمد أكثر ما يعتمد على مايكتب من كلمات، وعلى قدرته في التأليف بينها، حتى يرسم بائتلافها صورا معبرة للقارئ في غياب الكاتب، ثم أن للقارئ من الفرص ما يجعله يتأنى في قراءة ما كتب الكاتب، أو يعيده مرة أو أكثر متى شاء ذلك.
أما الخطيب فهو يعتمد ـ إلى حدٍ بعيد ـ على تموجات صوته، وعلى حسن تصرفه في تلوين نغماته ليبرز كل معنى في ثوب يتلاءم معه تمام التلاؤم، بينما يفقد المستمع أية فرصة للعودة إلى ما استمع إليه الا اذا أتعب نفسه وقام بتسجيل ما يلقيه الخطيب،وقد أوضحنا من قبل الفرق بين الكتابة والخطابة، وأن ينزل بصوته عن مستواه قليلاً أو يخفضه كلما أشرفت فقرة من فقرات الخطاب على الانتهاء، فلا ينهيها بنغمة صاعدة الا إذا بقى لها ارتباط بما بعدها بما يكمل معناها،وأن ينزل بصوته كذلك عندما يتحدث في أثناء الخطبة عن شنيعة من الشنائع ،أو مأساة من المآسي حتى كأنه يهمس بها في آذان السامعين همساً، وكأنه يخجل أو يعجز من أن يرفع بذلك صوتاً، فان عقب عليها بما يكشف عن غضب الله احتد لذلك وانزعج وارتفع صوته، والمسألة ليست تمثيلاً أو تشخيصاً يقوم به الخطيب على المنبر ولكنه تفاعل مع النص واحساس بالموقف،وقد بين شيخنا الأستاذ البهي الخولي في (تذكرة الدعاة) وجوب أن يبتعد الخطيب أو الداعية ـ وقد فرق بينهما ـ عن الافتعال والمواقف المصطنعة، وإن من نعم الله على خطباء هذا العصر انهم اصبحوا يتمتعون بما توفر لديهم من أجهزة توصل مختلف نغماتهم إلى جميع المستمعين، حتى ما يكون منها في خفاء الهمسات.
إن تنوع مراتب الصوت أمر وهبه الله للانسان، ولم تكن هذه الموهبة إلا لحكمة بالغة، ولا يخفى أن المعاني المختلفة يتطلب كل منها نغما ملائما له، لأن في ذلك التلاؤم دعماً قوياً لعناصر التأثير، وسوف نجمل إن شاء الله بعض قواعد الالقاء ومهارته، وما يتعين على الخطيب أثناء القائه لخطابه من وسائل ومساعدات، ثم نبين أهمية وكيفية تذكر العناصر، وخطوات التذكر وذلك في الفصل القادم إن شاء الله .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى