الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان 100

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـالـواجـب عـلى الـمـؤمـن الـذي يـرجـو الله واليـوم الآخـر، أن يـنـفـق مـن النعـم التي أنـعـم الله بها عـليه وما أكـثـرهـا لـو تـدبـرهـا فهـي كـثـيرة ومـتعـددة، قـال الله سـبحانه وتعالى:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الـبـقـرة 3 ـ 5).
فـليحـسـن الإنسـان وليـنـفـق مـن ماله إن كان له مال، ومـن جـاهـه إن كان له جـاه، ومـن عـلمه إن كان له عـلـم ، ومـن صحـته إن كانت له صـحـة، ومـن رأيـه إن كـان ذا رأي، كـما فـعـل الصحابي الجـليـل الحـباب بن الـمـنـذر الأنصـاري الخـزرجـي في غـزوة بــدر الكـبرى، فـقـدم رأيه للـرسـول الكـريم (صلى الله عـليه وسـلم)، فـقـبـل الـرسـول راي الحـباب بن المـنـذر لـما رأى مـن سـداد رأيه.
وقال:(هـذا هـو الـرأي) فأعـطى الـرسـول الأوامـر للجـيـش إن يـنـتـقـل إلى الـمـكان الـذي أشـار إليه الحـباب بن المـنـذر، وقـبـول الـرسـول لـرأي الحـباب دلـيـل خـلـقـه العـظـيـم لـرسـوله الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلـم)، وحـسبه وصـف الله له بـقـوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (الـقـلم ـ 4) ومـن أصـدق مـن الله قـيـلاً ومـن أصـدق مـن الله حـديـثاً.
وبالمقـابـل يجـب أن يقـتـدي كل منا بموقـف الـرسـول الكـريـم صلى الله عـليه وسـلم قال الله تعالى:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحـزاب ـ 21)، وأن يـقـبـل الـنصح ممـن جـاء به لـيكـون حجـة له، ولا يـرده فـيعـود حجـة عـليه.
وقـد أكـد الإسـلام بأن الإنسان يجـب عـليه أن لا يصـرف ما يحـصـله مـن هــذه الـدنيا الـفـانـية، في العـبث والـفـساد والإفـساد، وهـذا مسـتمـد مـن قـوله تعالى:(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القـصص ـ 77).
فـطـمـوح الشباب إلى المعـالي، يـدفـعـه أن يجـد ويجـتهـد، ويشــق طـريقه ويبني مستـقـبله عـلى أسس مـن الـعـلم والإيمـان والخـلـق الـقـويـم، وأن لا يـقــصر نظـره عـلى وجـوده الخاص وحـده في الأرض التي يعـيش عـليها، فـزمنها قـصـير ومتاعها قـليـل وهـمها كثـير، بـل عـليه أن يـراقـب صاحـب الأمـر في الـدار الآخـرة حـيـث قال جـل قـائلاً عـلـيماً:(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غـافـر ـ 16)، راقـب ذلك اليـوم وما فـيه مـن أهـوال وتغـابن.
ويجـب عـلى الـمـؤمـن مـراقـبة الله والسـير وفـق تعـاليـم رسـالته، وأن يخـشى الله في سـره وعـلا نيته، والـمـؤمـن يـقـوم بأداء ما افـترضـه الله عـليه وهـو خـائف وجـل راج لـثـوابه، وخـائـف مـن عـقـابه، قال الله تعالى:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (الـمـؤمـنـون 60 ـ 61).
والعـبادات التي جـاء بها الإسـلام تعـتـبر هي الطـاقـة الـدافـعـة للنفـس نحـو الـكمال والسمـو والعـمـل الصالـح ، العـمـل الـذي لا إفـراط فـيه ولا تفـريـط ، العـمـل المعـتـدل الـمتـوازن، إذ خـير الأعـمال أدومها وإن قــل، فـلا عــبرة بكـثرة العـمـل مـع عــدم الإخـلاص.
فـمـثلاً الصلاة وهي عـماد الـدين، لـما فـيها مـن ذكـر الله والـوقـوف بين يـديه سبحانه وتعـالى، بخـشـوع وتـذلـل في اليـوم خـمـس مـرات يـدفـع النفـس إلى السمـو والـكـمال الخـلـقي والعـمـل الصالح، والابتـعـاد عـن الـفـحـشاء والمنكـر قال الله تعـالى:(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العـنـكـبـوت ـ 45).
وليست الصلاة هي بما لها مـن ركـوع وسجـود وحـركات، تـؤدي تلك الـمـنزلة العـالـية الشأن والسـمو الكـمالي، بـل بمـا فـيها مـن خـشـوع وتـذلـل لكـمال الله وجلاله وتخـلصها مـن الـرياء والسـمعـة، لأن الله تعـالى يـقـول، وقـوله الحـق: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعـون 4 ـ 7).
وقال تعـالى:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهـف ـ 110)، فأي عـمـل لا يقـصـد به وجه الله خـالصـاً مخـلصاً لا يقـبله الله سـبحانه وتعـالى، لأن الله غـني عـن الشـركاء ذلك هـو المـيزان، وذلـك هـو الطـريـق المسـتقـيـم، والعـمـل الصـالح المتـقـبـل إن شـاء الله.
كذلك بالنسبة للـزكاة وإخـراجها، فـيجـب عـلى مـن وجـبت عـليه زكاة أن يخـرجها وهـو يقـصـد بإخـراجها امـثالاً لأوامـر الله، وتطهـيراً للمال وتـزكـية للنفـس مـن الشـح وطـريقـاً محـمـوداً للإنفـاق في سـبيـل الله، فالـزكاة حـق مـعـلـوم في أمـوال الأغـنيـاء، تعـطي لأصـناف معــلـومـين، حـسب ما أوضـح الله تعـالى في كـتابه، إذ ذكـر أصـنـافـهـم لخـطـورتها، تـولى الله قـسمتها، ولـم يـترك قـسمتها للبـشـر، لأنه أعـلم بما جـبـل عـليه البشر مـن ميـولات في حـب الـمال، ونـزغـات الـشـيـطانوأهـواء النفـس قـد لا يسـتـطـيعــون قـسمتها وإعـطـاءها لـمستحـقـيها، ولقـد وصـف الله الناس لحـبهـم الـمال فـقـال: (وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا) (الفـجـر ـ 20).
فـقال تعـالى في قـسمة الـزكاة:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الـتـوبة ـ 60).
ولأن الـزكاة تطهـير للمال وتـزكـية للنفـس، أمـر الله رسـوله (صلى الله عـليه وسـلم) بأخـذها مـن الأغـنياء وردها عـلى فـقـرائهـم، ولأنه أعـلم بأصنافـها وسـبـل صـرفها وطـرقها، قال الله تعـالى:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة ـ 103).
وبعـد أن التحـق الـرسـول بالـرفـيـق الأعـلى تـرسـم بعــده الخـلـفـاء الـراشـدون طـريقـه وخـطاه، فـسـاروا عـلى النهـج القـويـم الـذي مات عـليه الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، ثم جـاء بعـد أولـئـك الأعـلام قـوم، لا يـرقـبـون في مـؤمـن إلا ولا ذمـة، فـغـيروا سـنة الله وسنة رسـوله وسـيرة الخـلـفـاء الـراشـدين المهـديـين.
جـاء أولـئـك الظـلـمة فاخـذوا الـمال مـن غـير حـله، ووضـعـوه في غـير محـله، فجـاؤوا بتاسـع مـن غـير الثمانية الأصـناف فاستـولى عـلى الحـق الـذي كان للثـمانية، فـبـذلـك تجـاهـلـوا نص كـتاب الله، وسـنة رسـول الله فـبـدلـوا وليتهـم ما بـدلـوا ، فـرسـخـت بـقـلـب مـن لا يعـقـل، فـتـلـك حـالة القـوم، ولا نـدري كـيـف عـاقـبـتـنا نحـن ونـحـن نــتبع سـنن مـن كان قـبلـنا، فـهـل نـرجــو النجـاة بعــدهـم، وقـد رأيـنا دلائـل لكـثير مما وقـع لأولـئـك القـوم الـذين ظـلـمـوا، وما ربـك بـغـافـل عـما يعـمـل الظـالمـون لـيـنالـوا جـزاء وفـقـاً عـلى ظـلمهـم.
فـإذا كان الله تـولى قـسـمـة الـزكاة بنفـسه، فـهـو أعـلم مـن يستحـقـها، ومـن يطـمـع فـيها ولا يستحـقها، وكـذلك لعـلـمه بـفـوائـدها، وبما تصلـح ولـمـن تصلـح، فهـل أخـرجـناهـا (إن أخـرجـناها) بحـقها، لتـكـون تطهـيرا للـمال وتـزكـيه للنفـس، وإن كان إخـراجـنا لهـا سـمـعـة ورياء ومـنّاً وأذى، فـتـلك هـي منافــذ الـشيطـان والعـياذ بالله جـنـبنا الله مـزالـق الشـيطان آمـين.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى