الثلاثاء 19 ديسمبر 2017 م - ٣٠ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (14)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (14)

تقدم بنا الحديث حول الآية المباركة: قال تعالى:(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة ـ 2).
ومن ثم بينا ان هداية القرآن الكريم ليست بهداية تقبل ان يصطف في مستواه هدايات اخرى بل هي هداية قد اخذت قمة رأس الهرم في عالم الهداية، فهي هداية تقود الى التي هي اقوم، قال تعالى:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء ـ 9).
وبينا آراء بعض المفسرين .. واليوم نقف قليلاً عند رأي آخر من آراء المفسرين، وهو رأي العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، (5 : 254) اذ قال: وعلى أي حال هي صراط حيوي كونه اقوم يتوقف على كون طريق الفكر فيه اقوم، وقال تعالى:(قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة ـ 15)، (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة ـ 16)، والصراط المستقيم هو الطريق البين الذي لا اختلاف فيه ولا تخلف اي لا يناقض الحق المطلوب، ولا يناقض بعض اجزائه بعضا .. انتهى كلامه.
فالهدف الذي يسعى اليه القرآن الكريم بإرشاد الناس وتوجيههم بوصفه الاقوم والنور هو ايصال الإنسان الى الصراط المستقيم، وهو الطريق الوسط الذي لا يعرف في نفسه الافراط ولا التفريط، بل لا يعرف سوى الوسطية والاعتدال والفضيلة، وهذا يعني ان القرآن الكريم لا يدعو سوى الى الاعتدال، فان اقوميته ونوريته لاجل ان يصل الانسان الى الوسطية والصراط المستقيم والى الاعتدال، الامر الذي يفتح آفاقاً أخرى من التفكير فيما يقدمه القرآن الكريم للانسان وهو التفكير في الطرق الموجودة في العالم والوجود أهل تقوم الإنسان الى مراده، والى ما تطلب فطرته، اهل تتمكن المناهج الارضية ان تقدم للانسان الطريق الاقوم والصراط المستقيم، فان الجواب الذي يجيبه القرآن الكريم على هذا التساؤل هو: كلا، فان الوحيد القادر على تقديم مثل هذه الطريق الاقوم والصراط المستقيم هو القرآن الكريم.
ونكتفي بهذا القدر من الايراد حول الاية المباركة المتقدمة في الذكر، والان لنتناول آية اخرى وفيها مضامين اخرى حول حقيقة القران والتي هي بقوم المفتاح الذي يفتح آفاق المرء ليلج الى آيات القرآن الكريم وسوره المباركة باستعمال المفاتيح الصحيحة والمناسبة.
قال تعالى:(هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) (آل عمران ـ 138)، فالقرآن الكريم يصف نفسه فيما وصف بأنه: بيان للناس الا انه في سورة النحل في الاية (89)، يصف نفسه بوصفٍ آخر قال تعالى:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، ونجده في نفس السورة وهي سورة النحل في الاية (44) يصف نفسه بوصفٍ آخر، قال تعالى:(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، ونجد في سورة يوسف في الاية (1) قال تعالى:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، فالاوصاف التي وصف وصف القران الكريم نفسه بها تختلف دلالاتها، فان البيان شي، وان التبيان شئ اخر، كما ان التبيين امر مختلف، كما ان المبين وصف ذو دلالة اخرى.
ومن هنا سنقف قليلا عند هذه المفردات الاربعة في القرآن الكريم لنتعرف عليها عن كثب ان شاء الله تعالى.
اولاً: مفردة (المبين): فان القرآن الكريم يصف نفسه بأنه (مبين)، قال تعالى:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف ـ 1)، وقد فسر العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان 11: 74 بقوله: (والظاهر ان يكون المراد بالكتاب المبين هذا القرآن المتلو وهو مُبٍين واضح في نفسه، ومُبَيٍّن موضح لغيره ما ضمنه الله تعالى من المعارف الالهية وحقائق المبدأ والمعاد).
فهنا يتبين من كلمات العلامة الطباطبائي بأن القرآن الكريم مبين لغيره وانه لما ان كان مبينا لغيره فهو بالاولوية القطعية يكون مبيانا لنفسه، ومُبٍينٍيته غير خارجة عن ذاته ونفسه، بل هي من صميم ذاته ووجوده الاقدس المبارك، فهو كالنور الذي هو منير لنفسه وينير الاخرين أيضا، فالقرآن الكريم مبين في اياته وسوره بانه كتاب معجز، وانه من عند الله تعالى.
فالنتيجة التي يوقفنا المفسرون في هذه الآية المباركة هي: إن القرآن الكريم واضح في نفسه.
ثانياً: مفردة التبيين النبوي للقرآن الكريم، وهي: ان القرآن الكريم نزل على النبي صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين ليقوم هو بدور التبيين لآياته للناس، قال تعالى:(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
فهنا يتلخص دور النبي الاكرم صلى الله عليه واله واصحابه المنتجبين في الوساطة لتبيين الناس هذا الكتاب العزيز.
وهنا يرد هذا التساؤل المهم، ومفاده: إذا كان القرآن الكريم واضحاً في نفسه كما بينته الآية المبارك في قوله تعالى:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف ـ 1)، فلم اذا احتاج الى تبيين من النبي الاكرم صلى الله عليه واله واصحابه المنتجبين؟، فهذا ما سوف نتعرف عليه في الحلقات اللاحقة ان شاء الله تعالى، وانما اثرنا هذا التساؤل الان كي نتساهم في التدبر في هاتين الايتين الكريمتين ان شاء الله تعالى.
واما المفردة الثالثة فهي: في قوله تعالى:(هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ) معناه: قال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير 2: 32: والبيان: الكشف عن الشئ، وبان الشئ : اتضح، وقال العلامة الطوسي في تفسيره التبيان 2: 599: والبيان هو الدلالة، فالقران الكريم هو كاشف للناس عن المعارف الحقة.
المفردة الرابعة: ان القرآن الكريم تبيان كما جاء في قوله تعالى:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) فمعنى التبيان هو ما ذكره السيد الحكيم في كتابه (علوم القرآن ـ 45)، فالمراد من التبيان هو التبيان الشامل.
فهذا ما جاء في هذه المفردات الاربع: المبين، والتبيين، والبيان، والتبيان، وهنا سيرد هذا التساؤل، اذن ما هي الفروقات الجوهرية بين هذه الكلمات؟، افهل هناك ما يميزها عن الاخرى؟، فهذا ما سوف نتعرف عليه في الحلقة المقبلة ان شاء الله تعالى.
ولكن قبل ختام هذه الحلقة اود ان انبه المستمع العزيز هنا الى مسالة مهمة وهي: ان مثل هذا البحث يعرف عادة في الوسط التفسيري العلمي بالبحث الموضوعي، او بالتفسير الموضوعي، وهو عبارة عن الوقوف على موضوع واحد، ومن النظر في ايات الكتاب العزيز وما تعرضت فيها الى ذلك الموضوع، ومثل هذه البحوث قيمة جدا، لانها تقدم لنا رؤية قرانية واضحة جداً عن الموضوع المراد بحثه.

هلال اللواتي

إلى الأعلى