السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / انقسام القرآن إلى مكي ومدني (2)

انقسام القرآن إلى مكي ومدني (2)

عزيزي القاريء الكريم: نواصل حديثنا حول المكي والمدني من القرآن, هنا نتكلم عن الأسس أو الاعتبارات التي ارتكز عليها ذلك الانقسام وهي:
1ـ مكان نزول السورة أو الآية, فما نزل بمكة فهو مكي وما نزل في المدينة فهو مدني , ونرى هذا التقسيم غير حاصر لأن كثيراً من الآيات القرآنية لم تنزل لا بمكة ولا بالمدينة كمثل الآيات التي تتحدث عن غزوة تبوك في سورة التوبة فقد نزلت في تبوك وهي من قوله سبحانه:(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة ـ 41), ونحوها من الآيات التي بعدها حتى قرب خاتمة السورة والله أعلم, ومثل آية التيمم في سورة النساء كما تحكي قصتها أمنا عائشة الصديقة ـ رضي الله عنها ـ حيث قَالَتْ:(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ..) الحديث, وآية التيمم قيل: هي آية المائدة, لأن فيها تفصيل حكم التيمم واعضاؤه, وقيل: بل هي آية النساء لأن لا ذكر للوضوء فيها بينما آية المائدة تسمى آية الوضوء, وهما:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء ـ 43)، وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة ـ 6).
2 ـ باعتبار الأشخاص المخاطَبين: نحو الحديث الموقوف على عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:(مَا كَانَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَبِمَكَّةَ), والموقوف هنا له حكم المرفوع لأن لا دخل للصحابي عبدالله بن مسعود فيه باجتهاده ورأيه, وهذا التقسيم أضيق من قسيميه في تعريف المكي والمدني , فهو غير حاصر لأن كثيراً من الآيات لم يُذكَر فيها (يا أيها الناس) ولا (يا أيها الذين آمنوا) فكيف يكون حكمها بهذا الاعتبار, كما إنه غير مطّرد فمثلاً سورة الحج مكية مع إن فيها قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فهي حسب الخطاب مدنية وهذا غير صحيح على الحقيقة, وبالعكس فسورتا البقرة والنساء مدنيتان مع ورود قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة ـ 168), وورود قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)(النساء ـ 1)، وقول الله جل جلاله:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ)(النساء ـ 170)، وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (النساء ـ 174) فهذه آيات مكيات حسب هذا الاعتبار مع أنها على الصحيح مدنيات جاءت في سور مدنية, إذاً هذا التقسم غير جامع و غير شامل.
وفي التقسمين السابقين نشأت السور الواسطة وهي التي ليست بمكية أو مدنية وذلك لأنهما غير حاصرين.
3 ـ حسب الزمان باتخاذ زمن الهجرة مرجعاً فما نزل قبلها فهو مكي وما نزل بعدها فهو مدني, وهذا التقسيم هو شامل جامع مانع بإذن الله سبحانه, وعليه الجمهور من العلماء, وبهذا الاعتبار فإن عدد السور المدنية المتفق عليها هي عشرون سورة وعدد السور المختلف فيها هي اثنتا عشرة سورة بينما الباقي وهو اثنا وثمانون سورة هي سور مكية وهذا يعني أن أكثر القرآن مكي, لأن مدة التي مكثها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الدعوة بمكة بلغت ثلاث عشرة سنة بينما تلك في المدينة بلغت عشر سنين.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى