الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب النحوية في آية الاعتكاف ودلالاتها اللغوية (1 ـ 2)

الأساليب النحوية في آية الاعتكاف ودلالاتها اللغوية (1 ـ 2)

تعددت الأساليب اللغوية في آية الاعتكاف، وتنوعت بين الخبرية والإنشائية، ووردت فيها جملة من الأساليب النحوية التي لها دلالاتٌ ومعانٍ تتساوق وتتناغم مع جو الصيام العام فى الآيات السابقة، حيث يقول الله تعالى:(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) .. هذا أسلوب قد حذف فيه الفاعل، وبُني الفعل للمجهول، أو لما لم يسمَّ فاعله، وذلك للعلم به، وأنه وحده المقصود ـ سبحانه ـ دون سواه بتشريع ما يريد، وأنَّ مَنْ له الحق في التحليل والتحريم هو الله تعالى، إذ إن المعنى الأساسي في:(أحل الله لكم) أن الله أحل لكم بفضله ورحمته في ليلة الصيام كل ما من شأنه أن يحقق المتعة للجانبين، واللقاء الفطري الكريم، والحذف هنا قد حقَّق جملة من المعاني منها التخفيف، ومنها الإيجاز والاختصار، ومنها اليقين بمعرفة بمَنْ له الحق فى التحريم والتحليل، ومنها أن التحليل والتحريم لمصلحتنا، ولنُفيد منه، وتضح نفوسنا وأجسادنا، وتستقر أفئدتنا، ونمضي في الحياة مستقرين: فكرياً ونفسياً واجتماعياً لننتج، ونطور، ونعمِّر، ونبني، وأن مجموعنا ومجتمعنا مستفيد من ذلك كله بدليل قوله تعالى:(لكم) فكأنه أمسى ملكًا لنا، لا يغادرنا ولا نغادره .
و(ليلة الصيام) ظرف للحل، وهو قيد، فليس التحليل شاملا النهار، وإنما هو مقصور على ليلة الصيام فقط، والرفث كناية عن الجماع ومقدماته، وكل ما يتطلبه هذا الوئام الأُسَري، وإشباع حاجات الجسد الفطرية والغريزية، ومتطلبات النفس، و(أل) في (الرفث) إما أنها جنسية ـ أي: جنس الرفث، وكل ما يتعلق به ـ وإما أنها عهدية، بمعنى الرفث المحدَّد شرعاً، والمنضبط بضوابط الشريعة، والمعهود في ميزان الشرع الحنيف، وشبه الجملة:(إلى نسائكم) هو حال، وهي تكشف عن أن الزوجة أو الزوجات هنَّ منتهى أمل الأزواج، لا تعلق لغيرهم به، وأن أمر الحل في ذلك واقع عليهنَّ وحدهن (إلى نسائكم)، فـ(إلى) حرف انتهاء الغاية المكانية أو الزمانية، والإضافة هنا في (نسائكم) تعني أنهنَّ من الحب والود كأنهنَّ مملَّكات لأزواجهم، أىْ نساء لكم، وفيه كناية كذلك عن الالتحام والود الكامل الذي تكون فيه المرأة جزءا من زوجها، فهي فرع منه، وهو أصل لها، وكل من الفرع يحن إلى أصله، وكل من الجزء أو هذا الفرع يكتمل بكله وبأصله، يشعر بشعورها، ويقرأ إحساساته، وعواطفه، ويرحم الزوج تقلبات زوجته، وانفعالاتها، وتغير نفسياتها بما ينتابها فترة الدورة، ونحوها من أوقات تشعر فيها بالضيق، فيسعها صدرُه، ويرحم فيها هذا الشعور الخارج عن إرادتها ، والذي تتعرض له شهريا في بعض أيامها، والآية كلها كناية عن سعة الرحمة، وعمق الفضل الإلهي على المسلمين، وكناية كذلك عن ضرورة الزواج وأنه نعمة من نعم الله التي لا تحصى، شرعه لنا لتحقيق السكن، وقطف ثمار الراحة والود، والسكينة بكل معانيها، ثم تأتي هذه الجملة القرآنية السامية:(هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن)، جملة تتضمن العفة الكاملة، وطهارة القول، وهو تشبيه بليغ حيث شبه المرأة بالثياب السابغة التي تستر صاحبَها، وتضفي عليه ألوان الراحة والطمأنينة ، كما يفعل اللباسُ بصاحبه:(يكسوه، ويستره، ويحميه، ويغطي سوأته، ويظهره بمظهر الكمال)، فكذلك المرأة لزوجها ساترة عليه، عافّة له، تكسوه: أمنا واستقرارا، وراحة وانبهارا، ليلا ونهارا، وتسكب عليه ألوان السعادة: مرارا وتكرارا، فيشعر معها بأنه من الأسوياء الأعفّاء، الأنقياء الأنقياء، الذين تطهرت ثيابُهم ، وعفَّت عن الحرام نفوسُهم، وارتاحت أفئدتهم، وكذلك الرجل بالنسبة للمرأة هو لباس لها، يسترها، ويحميها، ويُعفُّها، ويريحها، ويعطيها الريّ العاطفي المطلوب، والشبع بكل معانيه وكافة مراميه: المالي، والنفسي، والجسدي، والعاطفي، بحيث تتسامى أنوثتها فى رجولته، ويكونان ستراً ولباساً لبعضهما، فيصبحان شخصاً واحداً فُرِّق فى جسدين، يفكران معًا، ويتوادَّان معًا ، ولو تأملت الجملتين لعلمتَ مدى المودة والرحمة، وسعة الألفة والحب، التي تُغلِّف وتشمل كلا الزوجين، فلا استغناء للنساء عن الرجال، ولا راحة لرجال بغير النساء، وآثر القرآن أن يعطف جملة على جملة (أسلوب العطف):(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) لبيان مدى الارتباط، والتلاحم، ووحدة الهدف، ونيل الغاية، وإدراك تبعات الرسالة ، والقيام بالوظيفة الأسرية الشريفة المنوطة لكلٍّ منهما ، فهما تشبيهان بليغان، حيث شُبِّه الرجلُ باللباس الساتر لامرأته، وشُبِّهَت المرأة باللباس الساتر لزوجها، حتى ليبدُوان للناظر أنهما شخص واحد، مستور، قوي، متلاحم، سَوِيّ البنية، ومعتدل القوام، وممشوق القد ، مَهيب الكلمة، عفيف المسلك، طيب السيرة، طاهر الثياب، ثم يقول تعالى مبينا الطبيعة الإنسانية لكل منهما، وحب الغريزة المفطور عليها كلاهما:(علم الله أنكم كُنتُم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم)، كلها كناية عن ضعف الرجل والمرأة، وافتقارهما إلى بعضهما، ومدى حاجتهما إلى كليهما، وهذه مسألة فطرية، وفيها كناية كذلك عن إحاطة علم الله بمطالب المخلوق، ورحمته فى سنِّ التشريع الملائم له ، وكناية كذلك عن قلة صبر الرجل عن المرأة، وقلة صبر المرأة عن زوجها، وأن كلا منهما في حاجة دائمة إلى الآخر، فهم كانوا في بداية أمرهم ـ ساعة نزول التشريع ـ إذا نام أحدهما فى ليل رمضان فلا يحل له أن يأكل أو يشرب، أو يأتي أهله بعد ذلك، ثم إنَّ أناسًا من المسلمين أو من الصحابة أصابوا من النساء والطعام والشراب فى شهر رمضان، عندما ناموا، فشكوا ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأنزل الله هذه الآية، ومعنى:(تختانون أنفسكم) أي تجامعون النساء، وتأكلون، وتشربون بعد العشاء، وبعد النوم، وكلمة (تختانون) أي تخونون أنفسكم، وتظلمونها بالمجامعة، وتعرضونها للعقاب، ونقص حظها من الثواب، ولفظ: الاختيان أبلغ من الخيانة .. وللموضوع بقية.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى