الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

الحلقة (3) المقاصد في فضائل الصوم وفواضله باستقراء الأحاديث النبوية الشريفة
.
كانت الحلقة السابقة قد تحدثت عن مقاصد الصوم في فضائله وفواضله من خلال نص حديثي قدسي حكاه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ربه تعالى، وهذه الحلقة ستتحدث – بمشيئة الله – عن تلكم المقاصد – أيضا -، ولكن من خلال استقراء بعض نصوص أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – التي تحدّث بها عن طريق الوحي عن ربه تعالى. مما جاء في ذلك قوله – صلى الله عليه وسلّم -: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين). يشير النص إلى مقاصد كلية كبرى في عبادة الصيام يندرج تحت كل جملة منها مقاصد جزئية نصل إليها من خلال الوقوف عند المعاني الدلالية لكل لفظ من من ألفاظ الحديث. فقوله: “فتحت أبواب الجنان”: دلالة على التحضيض للعمل بالدين المتمثل في المسارعة لعمل الخيرات؛ امتثالا لقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)”آل عمران/ 133″، والمتمثل – أيضا – في امتثال أمر الله تعالى والصبر على الأعمال الصالحات في هذا الشهر الفضيل وغيره من بقية الشهور والأيام، يقول الله تعالى في ذلك كله:(مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)”النحل/97″، ويقول – جلّ ذكره – مبينا المقصد من فضل العمل الصالح وفوائده:(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها ومَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ)”غافر/40″، فمن مقاصد العمل الصالح إذاً: الحياة الطيبة التي تبعد صاحبها عن المنغصات والمكدرات والهموم في الدنيا والآخرة، وكذلك مضاعفة الجزاء بالإحسان والرضوان من المولى الكريم، وأخيرا دخول الجنة التي تفتح أبوابها لمن التزم عمل الصالحات بمختلف معانيها، وتعدد مجالاتها وصورها. وهذه الفضيلة وفواضلها أشار إليها النبي الكريم – صلوات ربي وسلامه عليه – تحققا ووقوعا في شهر الصيام والقيام بقوله: (من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه)، فهناك في مدرسة الصيام الفضائل التي لا تعدّ ولا تحصى، فهو موسم عمل لمن كان له لبّ وعبرة. كما أن من مقاصد الصوم من خلال فواضله الجزئية المترتبة على العمل بالصالحات المؤدية إلى طريق الجنات نيل الحظ الأوفى، والنعيم الأسمى، والمصير الأعلى، من خلال الدخول من باب الريان الموعود به مَن صام حق الصيام، وقام حق القيام، وصبر حق الصبر والاعتصام، يقول – صلوات ربي وسلامه عليه -:(إن في الجنة بابا يدعى الريان، يدعى به الصائمون، من كان من الصائمين دخله، ومن دخله لم يظمأ أبدا). وقوله: “وغلقت أبواب النيران”: كناية عن مقصد حفظ الدين – كذلك – والذي يتربع مقاصد التشريع؛ إذ إن هناك أمراً بعمل الصالحات كي تفتح أبواب الجنان، وبالمقابل هناك نهي عن ارتكاب المعاصي والسيئات كي تغلق أبواب النيران، وهذا كله طريق ووسيلة من وسائل حفظ هذا المقصد الشرعي؛ حيث العمل بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقتضي الأمر ترك الأعمال السيئات، والبعد عن الأقوال المنكرات، والحذر من الوقوع في المخالفات؛ حيث وردت على دلالة ذلك الكثير من الأحاديث النبوية نتعرّض إلى تفصيلها في الحلقة القادمة – بمشيئة الله – عند الحديث عن مقاصد الصوم في آدابه، ونشير إلى أحد هذه النصوص التي تدل على وجوب أن يفقه المسلم في صومه بكفه عن المعاصي المعنوية والروحية قبل المعاصي المادية والبدنية، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -:(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، فهنا كناية عن مقصد شرعي لتحقيق المعنى الحقيقي للصوم الذي بمجيئه تغلق أبواب النيران، وهو ترك المعاصي بالقول الفحش بمختلف أنواعه ومسبباته جميعها، فالمولى الكريم غني عمّن صام بطنه ولم يصم لسانه، وهنا لطيفة بيانية لغوية في النص من خلال لفظ “فليس لله حاجة”، حيث قرر اللغويون من مفسري الكتاب العزيز كابن العربي والبيضاوي أن المراد بالحاجة هنا الإرادة، وإلا فإن الله غني عن عمل العباد وأعمالهم، ولذلك مشابهة في قوله تعالى:(لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)”الحج/37″، فإن معناه: لن يصيب رضاه الذي ينشأ عنه القبول. ولا يمكن أن تغلق أبواب النيران وصوم العبد لم يحظَ بالقبول من علام الغيوب، ستّار العيوب. وقوله: “وصفّدت الشياطين”: كناية عن مقاصد التحصين للنفس البشرية الصائمة المخلصة من وساوس الشياطين، سواء كانوا جنا أو إنسا حقيقة ومجازا؛ حيث لا سبيل لهم لأنفس الصائمين؛ نظرا لوجودهم المستمر على الطاعة، وبعدهم عن المعصية، وتحصين قلوبهم بالذكر والدعاء والتسبيح، وبكل ذلك يتحقق الحفاظ على مقصد النفس الإنسانية التي يجب أن تصان روحا كما هي مصانة بدنا وجوارحا. ونكتفي بهذا البسط المقتضب عن مقاصد الصوم من خلال فضائله وفواضله، وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله حلا وترحالا…

بقلم/ محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي

إلى الأعلى