الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تخاريف صيام

تخاريف صيام

أحمد مصطفى

” تمتد بقعة الألوان المضطربة والأصوات الكئيبة في محيط فلسطين شرقا وغربا وشمالا، وإن خفتت حدة اللون والصوت قبل أن تضيع الملامح فيما يصبغ الجوار. أما وقد رسمت رؤيا اخرى شكل جوار الشرق والشمال، تستمر الرؤى باتجاه الغرب عابرة من آسيا إلى افريقيا مرورا ببقعة داكنة على شكل مثلث. وللأسف لم يتوقف شريط الرؤى عند تلك البقعة المثلثة/المقدسة فلم تبد لها ملامح لا بسلب ولا بإيجاب.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
قبل أن يكمل الشهر الفضيل نصفه، وبعد فطور دسم قوي مما يثقل على المعدة، رأيت فيما يرى النائم (إذ يكون المرء بين الصحو وبين الغفو في تلك الحالات) أن أمورا كثيرة حدثت أو على وشك الحدوث. وبما أن الرؤيا كانت غائمة، لم أتذكر سوى تفاصيل قليلة فيما يلي بعضها. رأيت نفرا من أهل اليمن السعيد يلتقون في قلعة قديمة ودون حراسات مشددة ولا يحملون سلاحا. وبعد تفرس يتبين لك أنهم يمثلون كافة قبائل وطوائف اليمن من شمالها إلى جنوبها وشرقها وغربها حضرها وريفها. ويسود لقاء ذلك النفر جو من الألفة والأخوة، ويحتد النقاش (الذي لا تسمعه في الرؤيا) لكن دون غضب باد على الوجوه. وتنتهي الرؤيا على ذلك الجمع يخرج موحدا فيما تبدو بداية لاستعادة اليمن والعمل على بناء ما تهدم بتعاون الجميع ومساعدة الجيران والأشقاء ـ دون أن يعني ذلك نفي الاختلافات واستمرار التنوع في بلد تمتد حضارته إلى قرون سحيقة.
وفي رؤيا أخرى، امتدت بطول وعرض وعمق الهلال الخصيب، زحف الأبيض والأخضر على الأصفر والأحمر وصاحب الألوان الهادئة جو من السكينة. ذلك بعدما دحر العراقيون داعش، واتفق الحكم والمعارضة في سوريا على محاربة الإرهاب والاستغناء عن أي تدخل خارجي في شؤون بلادهم. واتفقت بغداد ودمشق على استخدام مواردهما بشكل تعاوني للاستثمار والبناء والزراعة. واتسمت المنطقة ـ في الرؤيا ـ بقدر من السلام والوئام غير مسبوق تستفيد منه دول الجوار مثل الأردن ولبنان. وتوقف التهريب للسلع والبشر عبر حدود دول الهلال وجوارها. ولم يعكر صفو الرؤيا سوى بعض تحولات الألوان هنا وهناك لكنها جميعا تخلو من لون الدم أو العتاد العسكري. وحتى لا يخطئ أحد في أن اللون الأبيض هو لون خيام معسكرات اللجوء والنزوح، لم تكن أيا منها موجودة في الرؤيا بعدا ما عاد كل من نزح وهاجر إلى موطنه وبيته وأخذ الجميع في الانشاء والتعمير.
وفي ظل الغبطة، لم يرد المرء أن تنتقل الرؤيا من هذه الربوع الآمنة المسالمة التي يتعاون أهلها على التنمية والتطوير والبناء والتعمير، وما بين اليمن والهلال الخصيب من شبه جزيرة العرب يتنفس صعداء نهاية المخاوف من انتشار الإرهاب ويدعم جيرانه في الشمال والجنوب من أجل خير المنطقة جمعاء. ذلك ان الانتقال من القسم الآسيوي للعالم العربي سيعني المرور بفلسطين، ولا ينتظر أن تكون الرؤيا فيه باعثة على الطمأنينة كما هو الحال مع البقعتين السابقتين اللتين كان فيها العرب يقاتلون إخوانهم العرب في النهاية ما سهل تغيير الحال. ويأتي ذلك الجزء من الرؤيا على فلسطين وقد تعددت فيها الألوان، ما بين الأزرق من أعلام الاحتلال إلى الأخضر لجماعات الإسلام السياسي في غزة وغيرها إلى مزيج ألوان علم فلسطين في الضفة وغيرها. وكان صعبا في الرؤيا أن تحدد أي تغيير في مساحات الألوان، لكن التباين كان واضحا على أي حال. وكانت تلك الرؤيا الوحيدة التي فيها صوت ـ إلى جانب الصورة ـ لكنه لم يكن صوتا متناغما ولا حتى عويلا أو صيحا. كان صوتا كئيبا فيه اختناق لا يجعلك تميز ما يقال لكنه صوت يشعرك بالكآبة.
وتمتد بقعة الألوان المضطربة والأصوات الكئيبة في محيط فلسطين شرقا وغربا وشمالا، وإن خفتت حدة اللون والصوت قبل أن تضيع الملامح فيما يصبغ الجوار. أما وقد رسمت رؤيا اخرى شكل جوار الشرق والشمال، تستمر الرؤى باتجاه الغرب عابرة من آسيا إلى افريقيا مرورا ببقعة داكنة على شكل مثلث. وللأسف لم يتوقف شريط الرؤى عند تلك البقعة المثلثة/المقدسة فلم تبد لها ملامح لا بسلب ولا بإيجاب. أما ما بعدها، فامتد شريط شمال افريقيا مخضرا زاهيامن مصر إلى المغرب. واختلطت ألوان الخضرة بانعكاسها على مياه المتوسط مع بهرجة ألوان أزياء السائحين من شمال المتوسط (أوروبا) يستمتعون بشواطئنا وينعمون في أمن بلادنا وحسن ضيافتنا.
وحين يفيق المرء من تلك الرؤى، حتى وإن ظل ما بين الصحو وبين النوم، لا بد وأن يتساءل أين ذهبت الميليشيات وجماعات الإرهاب وضغائن الطوائف والجماعات وكل ما تسلحت به من أدوات تخريب وقتل ودمار؟ ويحرك نصف العقل الغافي أعين الرؤيا لتقتفي أثر كل تلك العلل المميتة، إن كانت انتقلت من بلادنا إلى بلاد أخرى في أوروبا أو حتى آسيا وافريقيا، فلا تجد لها أثرا. وتقر النفس طمأنينة أن تلك العلل غرقت في البحار التي تحيطنا من أبيض واحمر وخليج ومحيط. لكن أليست تلك العلل كفيلة بتحويل ألوان مياه تلك البحار إلى الأحمر أو حتى الأسود (لون رايات الفتنة)؟ بلى، إنما أغرقها إخلاص أهل البر في البحر فغاصت دون أثر لترقد في القاع حتى العطن.
وفجأة انطلق مدفع الإفطار، وأدرك المرء أنها لم تكن رؤى ولا أحلام، إنما هي تخاريف صيام.

إلى الأعلى