الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخوف والرجاء (1 ـ 2)

الخوف والرجاء (1 ـ 2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
الخوف من اللّه تعالى هو تألم النفس خشية من عقاب اللّه من جراء عصيانه ومخالفته، وهو من خصائص الأولياء وسمات المتقين والباعث المحفّز على الاستقامة والصلاح والوازع القويّ عن الشرور والآثام، لذلك أولته الشريعة عناية فائقة، وأثنت على ذويه ثناء عاطراً مشرفاً: قال تعالى:(.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..) (فاطر ـ 28)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك ـ 12)، وقال:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات 40 ـ 41) والرجاء هو الجناح الثاني من الخوف، فهما اللذان يطير بهما المؤمن الى آفاق طاعة اللّه، والفوز بشرف رضاه، وكرم نعمائه، إذ هو باعث على الطاعة رغبةً كما يبعث الخوف عليها رهبة وفزعاً. ولئن تساند الخوف والرجاء، على تهذيب المؤمن، وتوجيهه وجهة الخير والصلاح، بيد أن الرجاء أعذب مورداً، وأحلى مذاقاً من الخوف، لصدوره عن الثقة باللّه، والاطمئنان بسعة رحمته، وكرم عفوه، وجزيل ألطافه، وبديهي ان المطيع رغبة ورجاء، أفضل منه رهبة وخوفاً، لذلك كانت تباشير الرجاء وافرة، وبواعثه جمّة وآياته مشرقة.
الخوف من الله يكون في صميم قلب المؤمن، لأن المسلم حينما ينعدم الخوف في حياته تضعف نفسه وتلهو ويسطو على حقوق الغير ويفعل المعاصي ولا يُعدُّ خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً والرجاء توجه المسلم إلى خالقه طالباً رجاءه وعفوه ولطفه فمن خلال معايشة المسلم الخوف والرجاء من صميم قلبه يكون حياته بين خوف، وجاءت آيات تحث المسلم على الخوف بربه وأحاديث تخوفه وتبين المصير، قال تعالى:(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (البروج ـ 12)، وقال تعالى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران ـ 28)، وقال سبحانه وتعالى:(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس 34 ـ 37)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج 1 ـ 2)، أما الأحاديث فكثيرة جدا فنذكر منها عن أبن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الصادق المصدوق:(إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه واجله وعمله وشقي وسعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار وحتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، وعن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً)، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبة ما سمعت مثلها قط فقال:(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً فغطى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجوههم ولهم خنين)، أما الآيات والأحاديث في الرجاء قال تعالى:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ـ 53)، وقال:(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف ـ 156)، وأما الأحاديث عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يقول الله عزوجل من جاء بالحسنة فله عشر مثالها أو أزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء يقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم) ـ رواه مسلم.
الخوف والرجاء نوران ومن دلّه خوفه ورجاؤه إلى كل خير فهما جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة إلى قرب الرحمن وروح الجنان.
إنّ الخوف من الله فرض على كل أحد، ولهذا عُلِّق على الإيمان، فمن كان مؤمناً حقَّاً خاف الله سبحانه، قال تعالى:(فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران ـ 175)، وقال سبحانه:(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة ـ 40)، وقال جلّ وعلا:(فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) (المائدة ـ 44).
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى