الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دائرة التكفير للمخالف

دائرة التكفير للمخالف

بدر بن سالم العبري:
بداية الجنة والنار من عالم الغيب، لا يملك أحد أن يدخل أحداً، أو يخرج الآخر: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، ومعنى (من أسلم) أي: من استسلم لا إسلام الجنس، لأنّ هذا الخطاب موجه إلى الجميع بمن فيهم من المسلمين كجنس ونسبة، وعليه لا يجوز أن ندعي أن الجنة ملك للمسلمين ونخرج غير المسلمين، فالجنة هي لمن استسلم لله وعمل صالحا، ولم يشرك معه أحداً.
والله تعالى صاحب الأمر والنهي في الآخرة، وعليه ينبغي أن نسلم أمرها إلى الله تعالى وحده، ولا علاقة بذلك لا بمذهب ولا طائفة ولا ملة:(يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
والمؤمنون واليهود والنصارى والصابئون يوم القيامة في ميزان الله سواء أمام القانون الرباني:(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
ثم إنّ الدفاع عن الإسلام كجنس دفاع عن مجرمين وظلمة داخل هذا الصف، فعندما نتحدث عن الجنة والنار نقف عند القوانين التي أنزلها الله في كتابه:(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ).
والله يعلم أنّ اليهود انحرفوا والنصارى منهم من اتخذ عيسى ابنا لله ومن المسلمين من سينحرف، لذا حكم عليهم وفق قانونه لأنهم أشركوا بالله تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، ونحن لا نملك ذلك، فقط علينا أن نقف مع قوانين الله تعالى في القرآن، لأنه سيحاسبنا وفقها لا وفق رغباتنا وأهوائنا.
وعليه جميع الملل والنحل يوم القيامة سواء، والله لم يكلفنا هل وصلهم الشرع أم لا، هل سيعفوا عنهم أم لا، ولكن سيكلفنا كأفراد هل وقفنا مع قوانين الله تعالى:(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
وكل ما تقدم لا يخالف التعايش ولا يؤدي إلى صراع، لأننا نتعامل مع قوانين الله تعالى، وهي قوانين مشتركة، ندعو إليها ونُحاسبُ وفقهاً، ولكن الصراع إذا تعصبت لجنسي أو مذهبي أو نحوه جنسياً، وتركت قانون الله تعالى.
والكفر قسمان: (كفر لغوي) بمعنى الستر، و(كفر أخروي) بمعنى الخلود والعذاب الأبدي، والثاني: ملك لله تعالى هو أعلم بعباده، وهو المتعامل به وحده، علينا فقط أن نحذر من الوقوع فيه، كان خاصاً بمعنى الشرك كما عند الأشاعرة والإمامية، أو كان عاما يدخل فيه المعصية كما عند الإباضية والزيدية والمعتزلة، ولكن في المقابل لا ننسى قانون الله تعالى:(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وقانونه: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
والإشكالية بعض الناس يعممون الكفر اللغوي فيشاركون الله في الحكم، وبعضهم يهمل قوانين الله في الكفر، الله لم يعطنا سلطة لننوب عنه في تكفير الناس أو تفسيقهم، ولكن كما خاطبنا بقانون الكفر خشية أن نقع في الكفر، خاطبنا أيضا بلغة العرب، مثال ذلك عندما يطلق العرب على الليل كافر وعلى المزارع كافر، فهو كفر لغوي بمعنى الستر، انظروا إلى قوله تعالى:(فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، فهل الذي استطاع الحج ولم يذهب كافر، نعم قد نجد مخرجاً لنقول كفر نعمة، أو كفراً أصغر، أو كفراً دون كفر كما عند البخاري، ولكن في النهاية يبقى كفراً، أي بالمعنى اللغوي، ولكن يبقى الإنسان في حذر من الوقوع في قانون الله، لأنه سيحاسبه به، نعم نحن لا نملك تكفيره أو إخراجه من الملة فضلا عن قتله واستباحة دمه وتطليق زوجه، لأننا نتعامل بالكفر اللغوي لا القانوني.
وهكذا بالنسبة لليهود والنصارى لا نشك أنهم جملة كفروا بالله بنص كتاب الله:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ولا نشك أن الله توعد هؤلاء بالعذاب الأليم بسب نقضهم لقانون التوحيد، وخلق شركاء مع الله، ومع هذا نحن نتعامل معهم لغة من حيث الكفر، كما أنهم هم أيضا يتعاملون معنا لغة، وهذا على الجملة، أما الأفراد فهم ونحن سواء أمام القانون الرباني،(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: مستسلمون لله بعدم الشرك به، وعدم اتخاذا الأحبار والرهبان والساسة أربابا من دون الله، سواء كانوا يهودا أم نصارى، أم مسلمين.
والصراع والتعايش والصدام والطائفية والإرهاب والتسامح والتفاهم غالبها مصطلحات سياسية، كما في السابق الخوارج والقعدة والروافض ونحوها، الأولى الحذر من هذه المصطلحات، ولا يغرنا أن تأتي من كبار الكتاب الغرب، فأكثرهم ينطلقون من أنانيتهم الذاتية.

إلى الأعلى