الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (18)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (18)

قواعد الالقاء ـ إلقـاء الخطبة:
الإلقاء: هو الغاية التي ينتهي إليها الإعداد والبناء، وهو الصورة التي يتلقى بها السامع حصيلة ما جاد به خطيبه.
إن كسب الثقة بالنفس والقدرة على التفكير بهدوء أثناء التحدث إلى مجموعة من الناس ليس أمراً صعباً مثلما يتخيل معظم الناس، وهي ليست موهبة فطرية محضة وهبها الخالق لأفراد قليلين، بل إن جزءاً كبيراً منها مكتسب، وباستطاعة كل فرد أن ينمي طاقته الكامنة إذا ما كانت لديه رغبة كافية لذلك، ولا تتصور أن حالتك صعبة، فمعظم الذين أصحبوا فيما بعد خطباء أجيالهم أصيبوا في بادئ الأمر بالخوف وضعف الثقة بالنفس.
كيف تكتسب الثقة بنفسك؟
أولاً: الاستعانة والثقة بالله: تذكر أنك إنما تخطب وتتكلم بحول الله تعالى وقوته، فإن شاء الله تعالى أطلق لسانك، وإن شاء عقده، ولو وكلك الله إلى نفسك لعييت وعجزت.
إن حنجرتك التي هي وعاء خروج الأصوات، ولسانك وشفتيك وأسنانك التي تصيغ الحروف والنغمات، إنما هي خلق من خلق الله تعالى (الذي أنطق كل شيء).
واعلم أن الله معك .. شاهد ومطلع عليك .. نظره أسبق من نظر المخاطبين إليك.
فاعتصم بالله، وليكن لك في نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ أسوة حسنة حيث (قال رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي).
ثانياً: تعزيز الدافع والرغبة:ما من فعل إلا وله دافع. وبقدر قوة الدافع يكون الإقبال على العمل، وتحمل أعبائه.
لدى بذل أي مجهود، يصاب بعض الأشخاص بالوهن ويرتمون خلال الطريق، لذا يجب أن تظل تفكر بما ستمنحك هذه المهارة حتى تبقى رغبتك قوية صادقة.
إن طالب العلم مثلاً أو الداعية ـ وهو يحمل عبء تبليغ الدين ـ عليه أن يستشعر وهو يتعلم الخطابة أنها وسيلة هامة من وسائل الدعوة وتبليغ الدين وأنه لا مفر له من الإقدام على تعلم الخطابة وإجادتـها حتى يبلِّغ رسالته إلى الناس.
ثالثاً: الإلمام بالموضوع: لا يستطيع الإنسان أن يشعر بالارتياح حين يواجه مستمعيه إلا بعد أن يفكر ملياً ويخطط حديثه ويعرف ما الذي سيقوله. ولنضرب مثالاً على ذلك:
قام بعض المبتدئين متحدثاً عن موضوع ليس لديه الإلمام الكافي نحوه، فاضطربت عباراته، واهتزت ثقته بقدراته، فاتهم نفسه بالفشل وعدم القدرة على الخطابة، والسبب في الحقيقة إنما يعود لسوء التحضير والتخطيط.
رابعاً: التصرف بثقة وتفاؤل: قد يقول قائل: كيف أتصرف بثقة وأنا أشعر بالخوف؟
قد يبدو أن الفعل يلي الشعور، فالتصرف بشجاعة لا يمكن أن يصدر إلا ممن يشعر فعلاً بالشجاعة.
وفي السنة المطهرة ما يشير إلى هذا المعنى في تربية النفس، وذلك فيما ورد في التباكي عند فقد البكاء الطبيعي، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في قصة أسارى بدر أنه لما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبا بكر يبكيان قال:(يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكم) (رواه ـ مسلم)، وروي هذا المعنى مرفوعاً في حديث:(ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ) وفيه ضعف، رواه ابن ماجه، ثم تفاءل .. فالتفاؤل سبب قوي في الوصول إلى المراد، ولهذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يحب الفأل ـ رواه البخاري ومسلم، لأنه من حسن الظن بالله، فإياك والتشاؤم، ولسنا نعني بهذا الكلام أن يسبح المرء منا في أوهام التفاؤل السلبي، بل المقصود التفاؤل الإيجابي الذي يبعث الأمل، ويشحذ الهمم، ويقوي العزيمة على المبادرة واتخاذ أنجع الأسباب لبلوغ الهدف.
خامساً: المران والتدريب: إن أول وآخر طريقة فعالة لتوليد الثقة بالنفس في فن الخطابة، هي أن تقف وتخطب، فالأعصاب تهدأ تماماً من خلال العادة والتمرين الدائم لقوة الإرادة، فإن كان لدى الإنسان خطاب فإنه سيجيد الكلام أكثر حين يردده ويتدرب عليه باستمرار،وقد قلنا فيما سبق أن الخطابة (دربة وكثرة محفوظ).
تدريب عملي: اختر موضوعاً لديك معرفة سابقة به، قم بإنشاء خطاب حوله مدته خمس دقائق، تدرب على إلقاء الخطاب عدة مرات، ثم قم بإلقائه أمام مجموعة من رفاقك، وضع كل جهدك وقوتك أثناء قيامك بذلك، قف مستقيماً، وقدم قدمك اليمنى قليلاً للأمام، وتطلع إلى عيون الجمهور، ابدأ الكلام بثقة وكأن الجميع يدينون لك بالمعروف.
لا تعبث بملابسك أو تفرك يديك، وإذا اضطررت للقيام بحركات عصبية نتيجة التوتر أمسك شيئاً أمامك بشدة كالمنبر أو الطاولة أو العصا ونحوه، وربما ينتابك خوف عارم أو نوع من الصدمة أو التوتر العصبي في الدقائق الأولى التي تواجه فيها الجمهور، لكنك إذا ثابرت فإنك ستتجاوز كل شيء ما عدا هذا الخوف الأولي الذي ليس سوى خوفاً أولياً فحسب. فبعد الجمل القليلة الأولى، تستطيع أن تسيطر على نفسك، وستتحدث بطمأنينة وارتياح، ومن المفيد أن تسجل خطابك بواسطة مسجل الصوت أو الفيديو، ثم تقوم بالمراجعة وتلمس أوجه القصور لتتغلب عليها في المرات المقبلة.
كيف تستحضر موضوعك؟
إذا كتب الخطيب الموضوع فهو مخير بين أمرين: إن شاء حفظه وألقاه، وإن شاء ذكر مضمونه، وليحذر جهده من قراءته على الناس من ورقة، فإن ذلك يضعف قوته ويذهب بتأثيره في النفوس كما هو مشاهد، ولكن إذا كان الأمر مقرراً من قِبَل المسؤولين عن إدارة الدعوة والوعظ فلاشئ في ذلك، والأمر الثاني أحسن الأمرين (ذكر المضمون) حتى لا يكون مقيداً بعبارة خاصة، فإذا عرض له أمر جديد أثناء الخطابة أمكنه القول فيه، وكثير من الحفاظ إذا نسوا جملة تلعثموا أو ارتج عليهم فيفقدون هيبتهم في نفوس السامعين.
وما أحوج الخطيب إلى الهيبة والجلال! فكان من الأحسن والمصلحة ألا يتقيد بعبارة يحفظها بل يتخير من العبارات ما يؤدي المعاني التي حصل عليها ببحثه وتفكيره، هذا إذا كتب الموضوع، وإن شاء عدم الكتابة واكتفى برسم الموضوع في مخيلته وتسطيره في ذاكرته التي قواها بالمران والممارسة، كان ذلك أحسن وأكمل.
طريقة الملاحظات المساعدة: بعد تحضير الموضوع ضع ملاحظات موجزة، ربما ترغب في الاستعانة بها حين تتدرب على انفراد، وربما تشعر براحة أكثر لو أنك تحتفظ بها بجيبك أثناء مواجهة الجمهور، وربما تحتاج إلى الاستعانة بها أثناء إلقاء الخطبة، وإذا شعرت بضرورة الاستعانة بالملاحظات، اجعلها مختصرة جداً، واكتبها بأحرف كبيرة، بحيث تعبر كل كلمة عن جملة أو جمل من الخطبة، وفي أثناء إلقائك الخطبة استرق النظر إلى ملاحظاتك حين تضطر لذلك، لكن تأكد من تغطية ضعفك أمام الجمهور وبرغم جميع ما قيل، هناك حالات يتوجب فيها استخدام الملاحظات، فمثلاً، بعض الناس، خلال إلقاء خطبه القليلة الأولى، يعاني من العصبية والتوتر حتى أنه لا يستطيع أن يتذكر خطبته التي جهزها. ما هي النتيجة ؟ ينسى المادة التي درسها، فينزلق عن الطريق العالية، ويسقط في الهاوية. لماذا لا يمسك هؤلاء الأشخاص بأيديهم ملاحظات موجزة مكثفة خلال خطواتهم الأولى؟ فالطفل يتمسك بالأثاث عند محاولاته الأولى للمشي، لكن ذلك لا يستمر طويلاً وتجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة، وهي أنه يجب ألا تحاول أن تستظهر الخطبة حرفياً، فإن ذلك قد يؤدي إلى كارثة. ومع ذلك، وبرغم هذا التحذير يحاول بعض من يقرأ هذه الأسطر أن يفعل ذلك. فإن فعل، فبماذا سيفكر حين يقف لإلقاء كلمته؟ سيحاول بالطبع أن يتذكر التركيب الإنشائي، ويفكر بالأشياء السابقة، ولا يتطلع نحو الأمام، وهذا بعكس عمليات العقل البشري، فيأتي الخطاب حينئذ جافاً بارداً، وبعيداً عن الطبيعة الإنسانية، لا تبحث عن الكلمات، ابحث فقط عن الحقيقة والفكرة، عندئذٍ تتدفق الكلمات دون أن تسعى إليها .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى