الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإعدامات الميدانية وخطاب العنصرية

الإعدامات الميدانية وخطاب العنصرية

علي بدوان

”إن محاولات تخفيف النقد الموجه من عموم المؤسسات والهيئات الدولية لجيش الاحتلال وممارساته، ولسياسة الإعدام الميداني التي يتبعها، والتي كان آخرها إعدام فتاة فلسطينية وشقيقها على حاجر قلنديا على مداخل القدس قبل أيام، دفعت بعض الكتاب “الإسرائيليين” لتوجيه النقد لسياسة الجيش والحكومة بهذا الشأن، نظرًا لما تسببه تلك الممارسات من إحراج لصورة “إسرائيل” أمام العالم من وجهة نظرهم.”

باتت عمليات الإعدام الميدانية التي تستهدف الشبان والفتيان والنشطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية ومناطق القدس وغيرها، وكأنها نهجًا ثابتًا لجيش الاحتلال ولأجهزة الأمن “الإسرائيلية”. وقد أثارت عملية إعدام الشهيد عبدالفتاح الشريف في مدينة الخليل قبل شهرٍ مضى، جملة من الأسئلة المُتعلقة بالدرجة العالية من الاندغام الحاصل بين المجتمع “الإسرائيلي” وجيش الاحتلال، وحالة التوافق في التأييد والإسناد التي بات يحصل عليها جيش الاحتلال، من عموم المجتمع “الإسرائيلي”، حيث دلّت عدة قياسات للرأي العام عن انحياز الغالبية في المجتمع “الإسرائيلي” لتأييد عمليات الإعدام الميداني بحق النشطاء الفلسطينيين من حاملي السكاكين حتى على الشبهة.
البداية من كاهانا وقبل كاهانا
كان المتطرف الحاخام مئير كهانا رئيس منظمة (كاخ) الفاشية العنصرية الصهيونية التي نشأت في سبعينيات القرن الماضي، وقبل سنوات طويلة قد قال “من المؤسف أن طهارة السلاح هي ضرب من الجنون، فالسلاح ليس طاهرًا إلى هذا الحد. فالسلاح يقتل أناسًا، وأعداء. وإن من يعتقد غير ذلك ينبغي عليه ألا يحارب أبدًا وضمن أي وضع، ففي نهاية الأمر عندما تخفق كل الحلول المضحكة, وعندما تصل نسبة العرب إلى الثلث، فسوف تصبحون جميعكم كهانا”. وقد سبق الحاخام كاهانا الكثيرين في التنظير والترويج لمقولة “عدكم وجود سلاحٍ طاهر”.
ما قاله المتطرف مئير كهانا، يُلخِصُ خطاب البربرية الفاشية، والعنصرية المُغرقة في دمويتها، الخطاب الذي يَجمَع جيش الاحتلال والقطاع الأوسع من المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني” على أرض فلسطين التاريخية، حيث من الصعب فصل الجيش وأجهزته الأمنية عن المجتمع في “إسرائيل”، ومن الصعب فصل المجتمع عن الجيش.
إن من يعتقد أن هناك انكسارا في العلاقة بين “الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي مخطئ تمامًا”، فهناك أغلبية في “إسرائيل” ممن يعتبرون أن “وضع القيود على عمل الجندي الإسرائيلي هو أمر خطير” وهو ما يُلخّص الصلة العميقة بين الجيش والمجتمع في “إسرائيل”، إلى درجة دفعت بكاتب “إسرائيلي” للقول “هذه الصلة بين المجتمع والجيش في إسرائيل لا تنفصل من الناحية العاطفية والعائلية أيضًا. ولا يوجد مثيل لذلك في أي دولة في العالم”.
ارتفاع تواتر أصوات التطرف
إن أصوات التطرف في المجتمع “الإسرائيلي” المؤيدة والمساندة لممارسات جيش الاحتلال تزداد كل يوم، وقد دفعت أيضًا العديد من قادة القرار في “إسرائيل” للقول “إن العمل العسكري ليس فرعًا رياضيًّا. ولا يوجد جيش أخلاقي، فالحرب والأخلاق لا يسكنان في مكان واحد”، وبتلك الأقوال والتبريرات تتحول حادثة الخليل والسلوك الفاشي لــ”الجندي الإسرائيلي اليؤور عزرياه” الذي أطلق النار على الشهيد عبدالفتاح الشريف، إلى نظرية غير مكتوبة للوحدات العسكرية لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية وعصابات المستوطنين لممارستها وتطبيقها في الميدان وعلى أرض الواقع.
لقد حاول البعض التخفيف من حدة وصم جيش الاحتلال بالجيش اللاأخلاقي بالقول “أصبح يوجد في إسرائيل جيشان هما الجيش الرسمي الخاضع للقادة والضباط والجيش غير الرسمي الذي يتكوّن من المستوطنين وخريجي المعاهد الدينية، وحادثة الإعدام في الخليل تعكس تغير بنيوي أساسي أدى منذ بداية سنوات الألفين لنشوء جيشين بشكل تدريجي. الجيش الرسمي هو الجيش الذي يخضع لسلطة سياسية عن طريق القيادة رفيعة المستوى. ويعمل هذا الجيش حسب فهمه وأنه أداة لتنفيذ السياسة التي يضعها السياسيون. وإلى جانبه نشأ وينشأ في الضفة الغربية جيش شرطي خاضع للوهلة الأولى للسلطة السياسية ولكن بشكل جزئي. انتشاره في الضفة الغربية سبّب له شيء يشبه الميليشيا الصهيونية كقوة تضع السياسة التي تَشُذُ في أحيان كثيرة عن السياسة الرسمية المعلنة. صحيح أن جيش الشرطة خاضع للتسلسل القيادي الرسمي، لكنه يتصرف كجيش مغروس في صميم المستوطنين. تعريف دوره الرسمي هو فرض القانون في الضفة الغربية”.
محاولات تخفيف النقد
إن محاولات تخفيف النقد الموجه من عموم المؤسسات والهيئات الدولية لجيش الاحتلال وممارساته، ولسياسة الإعدام الميداني التي يتبعها، والتي كان آخرها إعدام فتاة فلسطينية وشقيقها على حاجر قلنديا على مداخل القدس قبل أيام، دفعت بعض الكتاب “الإسرائيليين” لتوجيه النقد لسياسة الجيش والحكومة بهذا الشأن، نظرًا لما تسببه تلك الممارسات من إحراج لصورة “إسرائيل” أمام العالم من وجهة نظرهم، فقد كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت تقول تعقيبًا على ارتفاع وتيرة أصوات التطرف “هذه ادعاءات تُثير إحراجات، وهي مغلوطة وخطيرة، لا تتناسب في المهنية، وتستدعي استخدام القوة العسكرية بشكل مهني ومكبوح الجماح على حد سواء، بلا أضرار لا داعي له. فلا تطلق النار بنية مبيتة على غير المشاركين، ولا يقتل أسرى، ولا تمد اليد لسلب ونهب ممتلكات العدو. الأعمال العسكرية تكون في أحيان قريبة قاسية ومركبة، وتستدعي التوازن السليم بين القيم المختلفة. وعليه، فكل جيش يؤهل جنوده وقادته، يزودهم ليس فقط بالسلاح بل وأيضًا بنظريات”.
كما رأى عبّر البعض من الكتّاب “الإسرائيليين” عن خشيتهم من استشراء منظمات التطرف بفعل تلك الممارسات والخطاب المغذي لها، وما يمكن أن يستتبع ذلك، فكتب أحدهم يقول “إن مخاطر ردود الفعل قائمة من الطرف الفلسطيني، وإن الجندي “اليؤور عزرياه” الذي هيأ سلاحه وأطلق النار على الفلسطيني عبدالفتاح الشريف الذي شلّت حركته في تل الرميدة في مدخل مدينة الخليل، هذا العمل الذي قام به من دون أي أمر أعطي له للتصرف هكذا، ودون أن يكون هناك خطر، وهذا السلوك يعبّر بصورة حازمة وواضحة عن الاتجاه العام الذي تبدّل مع السنين في المجتمع الإسرائيلي. إن مصطلحات روح الجيش الإسرائيلي، وطهارة السلاح التي يتبناها الحضن العسكري لدولة إسرائيل، تستخدم أيضًا لأغراض الكود المسلكي والانضباط القيمي للقادة والجنود على حد سواء تدخل إلى داخل الفراغ الناشئ عن وجود آيديولوجيات متطرفة متجذرة من الماضي. وإحدى هذه الآيديولوجيات ثقافة حركة كاخ. وفي حركة كاخ التي كانت حركة يمين إسرائيلي مُتشدد والتي أنشأها الحاخام مائير كهانا عبروا عن موقف معلن ومعروف يعتبر أرض إسرائيل تابعة فقط لليهود حيثما تواجدوا”.
حالة مجتمعية زاهرة ومزدهرة بالوان التطرف
إن صوت الصحفي “الإسرائيلي” جدعون ليفي، المعروف عنه بتضامنه مع الفلسطينيين، كان قويًّا في إدانة ما يجري من عمليات إعدام ميداني بحق النشطاء الفلسطينيين، ولخّص ذلك بعبارات بسيطة بقوله “إن قيم القتل تغلغلت عميقًا في المجتمع الإسرائيلي. أنظروا للجنود الذين يتحركون حول المصاب على الشارع وستجدون الجيش الإسرائيلي نموذج 2016. اسمعوا الأصوات التي تعتبر القاتل بطلًا قوميًّا، وسترون إسرائيل 2016.
وبالاستخلاصات الأخيرة، نحن أمام حالة مجتمعية “إسرائيلية” زاهرة ومزدهرة بألوان التطرف. فحالة التطرف ومناخات اليمين واليمين المتطرف بشقيه القومي العقائدي الصهيوني والتوراتي، باتت تخيم ومنذ زمنٍ ليس بالقصير على الحالة العامة في الدولة العبرية، وباتت تُسيطر على العقل “الإسرائيلي” على كل مستوياته السياسية والأمنية والعسكرية والمُجتمعية، حيث تَستَعر أجواء المناداة والمطالبة باستخدام القوة، والقوة المُفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين العُزل في مناطق القدس وعموم الضفة الغربية وحتى داخل حدود العام 1948 ضد فلسطينيي الداخل أصحاب الوطن الأصليين.

إلى الأعلى