الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عودٌ على بدء.. أَعطني يدَك..

عودٌ على بدء.. أَعطني يدَك..

علي عقلة عرسان

نقتتل.. ينشرح صدر العدو، نضعُف فيقوى العدو.. نفنى.. فيبقى العدو لكن قل لي: أين الحكمة، وإلى أين المصير.؟! هذا حقل موت ينمو فيه البؤس، ويفرّخ فيه اليأس، حالة تجعلنا فريسة. لستَ قويًّا من دوني.. ولستُ قويًّا من دونك.. أعطني يدك وهاك يدي.. أقوى بكَ وتقوى بي.. أخطأنا.. أنا وأنت..

“اسمحوا لي أيها الكرام…
فلأن الحال كما هو، بل يزداد قسوة، وتشتد نُذُرُه،
ولأن الرجاء لم ينقطع..
ولأنه لا معدى عن التواصل، أحدنا مع الآخر، الشريك في الحياة والقرار والمصير..
ولأن سماءنا تتلبد بالغيوم، وتنذر بالصواعق..
ولأنه ليس لنا إلا نحن.. ليس لنا إلا نحن..
أعود مرَّة أخرى إلى القول: أَعطني يدَك..”
* * * *

أعطني يدك .. وكل عام ونحن بخير..
أعطني يدك.
البردُ شديدٌ، والليل موحشٌ، والفجرُ بعيد..
والظلم ظلام، والعَتْمة ضياع، والدرب طويل، وبعض الزاد رفيق.
يدي وحدها ضعيفة، وطريقي بلا رفيق تطول، وبك أنا قوي وأنت بي أقوى..
أعطني يدك، وكل عام ونحن بخير.
الظلم ظلام .. والعَتْمَة ضياع.. والطغاة قبيلة،
ولا أمن لنا من جوعٍ وخوف..
إذ نسكن والشرَّ في ظلمة جَوف.
العزلة تفترس الروح، والخوف ينمو في الأحشاء،
البُغَاث في أرضنا تَسْتنسر، وأجنحة الغربان تغطي السماء،
ومن بين أصابعي الخمس يتسرب الزمن.
أعطني يدك قبل أن تضيع الفرصة، ويهرب العمر،
قبل أن تجف الخضرةُ في العود، ويغيض الماء في الأرض،
ويتسرَّب الأمل من شقوق الضلوع، وينفطر القلب حسراتٍ على ما فات..
فلات حين مندَم .. ولا حين حتى لِلات.
أعطني يدك،
رمضان يدق الباب، وكل عام ونحن بخير.
إذا كان بيني وبينك جبل فلنمشِ نحو نقطة اللقاء عبر الجبل..
لا شيء أقوى من إرادة الإنسان إذا أراد،
والمثل العربي الفصيح يقول:
“جبلٌ لجبلٍ لا يلتقيان، وإنسان لإنسان يلتقيان..”.
فلنكن ذاك الجبل الإنسان.
الإرادة الخيِّرة زورقُ نجاة في بحر الشر العاصف،
وألف بستان وبستان يتفتح في كل مكان وزمان..
والخلاص .. أن نرى..
أعطني يدك، وكل عام ونحن بخير.
إن كان بيني وبينك دمٌ، فامسح بدمي حقدَ قلبك، وامسح بعفوك حقدَ قلبي..
فالحقد موت، والحب حياة، ونحن أبناء الحياة الذين بَشِموا من الموت..
ولا بد من أمل .. فلا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.
أنا وإياك في الليل البهيم نهيم، ثم نهيم..
والريح تعزف لحن العاصفة،
والفضاء من حولنا محشُوٌّ بالنُّذُر.
طريق الرمل بلا معالم .. وموج بحر الغربة أفواه سمك القِرْش،
والدرب المَجْهَلُ ظلال شقاءٍ وموت..
وقد بَشِمنا من الشقاءِ والموت.
قدماي تغوصان في الرمل، ويضيع مني الطريق..
ألا تغوص قدماك في الرمل مثلي، ويضيع منك الطريق.؟
أنا وإياك، في الليل البهيم، نهْبُ زوابع الرمل..
والصحراء تأكل الوجه.. والوحدة قهر وموت..
ليس لي سواك، وليس لك سواي..
لا تُكابر.. لا تُكابِر..
أعطني يدك.. أعطني يدك..
فبعض الزاد رفيق.. ومعنى العمر رفيق.
النيزك تلو النيزك تنقضّ علينا من سماء البشر..
وعيبنا الكبير أننَّا لم نهيئ ما يقينا شر النيازك.. البشر،
ابتلعنا البغضاء، وابتلعتنا البغضاءُ المنقضّة علينا..
من أقمار الفضاء، ومن أيدي البشر..
عيبُنا أنّا نمنا طويلًا، وأنّا يسحرنا النوم،
وأنّا ما زلنا النوم.
أخطأنا أنا وأنت..
أخطأنا أنا وأنت..
أخطأنا أنا وأنت..
الخطأ ضِيْقٌ.. والعفو سَعَة..
والعالم واسع، وسَعَة، واتساع..
والله غفورٌ رحيم.
الأرض بساط الله، تتسع لأكثر من اثنين،
والقلب المحبُّ فضاءٌ رحب،
وعين الرضا عن كل عيب كليلة..
والله واسعٌ عليم.
أعطني يدك.
رمضان يدق الباب
وكل عام ونحن بخير.
تلومُني وألومُك، تبغضني وأبغضك، تُضعِفُني وأُضعِفُك..
تُدمي قلبي وأُدمي قلبك.. لا بأس.. لا بأس..
فنحن الجرح والسكين..
الحشرجة والأنين..
الطاعن والطعين..
نقتتل.. ينشرح صدر العدو،
نضعُف فيقوى العدو..
نفنى.. فيبقى العدو
لكن قل لي: أين الحكمة، وإلى أين المصير.؟!
هذا حقل موت ينمو فيه البؤس، ويفرّخ فيه اليأس،
حالة تجعلنا فريسة.
لستَ قويًّا من دوني.. ولستُ قويًّا من دونك..
أعطني يدك وهاك يدي.. أقوى بكَ وتقوى بي..
أخطأنا.. أنا وأنت..
الخطأ ضِيْقٌ.. والعفوُ سَعَة..
والله غفور رحيم.
أعطني يدك: نحن اثنان نشُدُّ إلينا يدَ ثالث..
والثالث يشدُّ رابعًا.. نغدوا أُمَّة..
الفرقة ضعف، والضعف ضياع، والضياع موت..
ونحن أبناء الحياة.. والحياة عفو..
والله غفور رحيم.
أعطني يدك..
رمضان كريم..
وكل عام ونحن بخير.
تعال نجلس قرب حَوْرة عملاقة على ضفة نهر بردى القديم،
نشم النسيم، ونأكل الثمر الحلو..
إلى قربَ ناعورةٍ على نهر العاصي، شَدْوُها ترنيم رخيم..
تبكينا ونبكيها،
والله وحده بنا عليم.
تعال إلى رأس البسيط..
البحر هادئ، والسحر غامر،
والغابة الخضراء نداء حياة:
” تعالوا.. تعالوا.. قلبي يتسع لكم جميعًا..
تعالوا إلى صَفْوِ الحياة..”..
تعال فقد يكون لنا في تلك الطبيعة عيد. فلطالما حُرمنا العيد.
تعال إلى ثرثرة ابتسام الموج على نهر الفرات..
تعال إلى.. وإلى .. وإلى..
تعال.. ضعنا، وأضعنا.. وضيَّعنا أمتنا.. وأشقينا الذات
تعال إلى ظلّ زيتونة لا شرقية ولا غربية،
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار..
شجرة من زيتون إدلب. أو حلب، أو حوران، أو الجولان العليل..
ننظر منها الجليل، والقدس، والفراتَ، والنيل،
ننظر بعيني زرقاء اليمامة..
إلى غدٍ تشرق فيه شمسنا من جديد
ما فات فات، وأمات منا الذي أمات..
تعال نبعث فينا الحياة.. بعضَ الحياة..
لكي تشرق شمسنا من جديد
تعال نسأل الأيام الخوالي عن بيت كان لنا في الشام..
فيه شجرةُ نارنج،
وعريشُ عِنب،
وزيزفونةٌ مفتونة بعناق الياسمين،
تعانقه خلسة في ضوء القمر..
وتضحك.. تضحك
إلى ساقية ذات موسيقى سماوية ساحرة،
وبركة يتدفق منها الماء، ويطفو فوقها ورق الورد..
وفي ذلك الظل البهيج ينمو الحب..
تعال إلى سمرٍ وسهر..
فرمضان خير،
وسهراته في الشام، نَعيم..
تعال..
النرجس يرنو إلينا، وفي مقلتيه رجاء ودمع ندم.
تعال نذرف معه دمعة علينا..
فلا بواكيَ لنا
نبكي على ما آل إليه حالنا في عتمة فاحمة لفَّت العقل والروح..
تعال نبكي على أهلنا في مخيم الزعتري، في أطمة، في براري الوطن،
على الغرقى في البحار،
على المفجّعين بذويهم،
على من نُكبوا بالبعد عن الأهل والدار.
على الوطن..
وشهيدٍ بلا كفن..
على قبة الصخرة، ومن في باحة الأقصى يُذَل ويهان..
تعال نسأل: كيف أصبحنا الموت.. وهذي القسوة !؟
كيف لا يحركنا الدمُ المهراق،
ولا يوقظنا الصوت المُفَزَّع،
ولا نعرف القُربى في الحياة والموت؟!
كيف نسينا الأمس، أضعنا اليوم، نخاف الغد..
ولا نملك من أمرنا شيئًا، وتذهب أنفسنا حسرات؟!
كيف افترسَنا الظلمُ، القهرُ، الخوفُ، والشك..
ونمنا في حضن الفتنة..
وسلَّمنا رقابنا للأجنبي والقاتل الغريب..
وكيف أصبحنا هذا القدر من الضعف، الخواء، الخوف..؟!
وعصفًا مأكولًا منبوذًا في الفلوات..
مواتًا فوق موات.
يهدّدنا العدّو فيرتفع منا الصوت، يرتعد القلب، يخفت العزم،
ونصير الذل، الموت..
كيف تَبَعْثَرنا أشلاء على طرقات البلدان، بانتظار عطف الأمم؟!
وكيف أضعنا الطريق.. أحدنا إلى الآخر..
وفقدنا الثقة.. أحدُنا بالآخر..؟!
كيف زَلْزَلْنا جدران بيتنا بأيدينا..
وتناهبنا الجدران ذاتها، فسقط السقف، وزال البيت، وانكشف عنا الغطاء،
صرنا دماء فوق دماء،
وعُراة في العَراء،
ومعرَّة للعري، وبؤس الشقاء..
وداءً فوق الداء
يتسرّب من بين أيدينا حُبُّ البيت.. الوطن، وحب الوطن.. البيت،
نمشي من يباب إلى يباب.. من خراب إلى خراب.
صرنا المعرَّة والخراب؟!
صرنا المعرَّة واليباب!!
أنت مسؤول.. وأنا مسؤول..
أنت مسؤول.. وأنا مسؤول..
لا فائدة من إضاعة الوقت في التلاوم والعتاب..
فالكَذِب، .. عَذاب
الكَذب، عَذاب
أنت مسؤول.. نعم.. وأنا مسؤول..
أعطني يدك، لم يفت الوقت.. فللمحبة ألف باب وباب..
للمحبة ألف باب، وباب..
والعفو من شيم الكرام، وألف باب للقاء..
وألف باب، ثم باب..
أعطني يدك..
تعال إليّ.. أَجِيءُ ..إليك
أَجِئ.. تجيء.. نجيءُ
العمرُ قصير،
القلبُ وحيد،
يدي وحدها ضَعفةٌ،
وكفٌ واحدة لا تصفّق..
وسَمانَا تعجّ بالغربان..
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.
في الأوقات الخمسة، في الدعوات، وفي الصلوات..
ينفتح العفوُ، ينفتح التاريخ..
وترى عينُ القلب: الحرَمَ المكيَّ، الأمويَّ،
النجفَ، الأزهرَ، الزيتونةَ..
محاريبَ الأقصى، قممَ الأوراس، رباطَ جهاد المغرب..
ضريحَ صلاح الدين..
ترى القدس، وكلَّ فلسطين..
ترى عين القلب
فالإيمان نداء..
والتاريخ نداء..
وفضاء الله نداء
نور العلم نداء
والتحرير نداء..
والحرية بابُ الأبواب لكل نداء..
في اليوم الواحد بين يدَينا درسٌ.
درسُ الدهرِ من ألفهِ للياء،
وفي العينين دموعٌ، ألفٌ وألفُ رجاء.
يصيح الأجداد، الآباء، الشهداء:
ضَلَلْتم
هجرٌ الذات فَناء الذات
وقتلُ الذات جنون الذات
ماذا تفعلون بنا؟!.. جننتم؟!
نسيتم دمنا، قيمنا، ديننا، وقضايانا،
وصلتم في الهِراش حدود التوحش والإيحاش..
حدَّ انعدام الدين، إماتة اليقين، إعدام الذاكرة، موت الشعور بالذات.؟!
فماذا تفعلون.؟!
أَضَعفٌ على ضعف، وجبنٌ على خوف، وفجورٌ على مجون،
وفسادٌ فاق حدّ الظن، وحدَّ الجنون..؟!
ماذا تفعلون..؟ من أنتم.. ما أنتم..؟ ومن تكونون؟!.
يصيح الأجدادُ، الآباءُ، الأبناءُ، الأمواتُ، الأحياء
فيمرّ بنا الصوت من دون صدى..
صحراءٌ نحن، بيداء مدى..
تأكل الصوت، ورجع الصدى..
تأكل الوجه.. وكلَّ المدى..
صحراءٌ نحن..
صحراءٌ نحن..
نأكلُ بالأوطان ونُضْرَب..
نأكلُ بالشهداء ونَشرب..
نَشْرَق بالدماء ونطرب..
يا لَهول ما نحن.. يا لَهول ما نحن..
موت يجرّ الموت..
موتٌ يجرّ الموت..
لا فرق عند الناس بين موت وموت..
تعدّدت الأسباب..؟!
لكن شتَّان بين حيّ وحيّ.. بين ميتٍ وميت.
أعطني يدك..
أعطني يدك.. ولنستعدْ حياةً، ولنصنعنْ حياة..
أعطني يدك.. فما زال أمامَنا العمر، وفينا الأمل..
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.
ورمضان مبارك.

إلى الأعلى