الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاختلاف بين البشر سنة كونية

الاختلاف بين البشر سنة كونية

بدر بن سالم العبري:
الاختلاف بين البشر سنة كونية، وحركة طبيعية في الوجود، وهذه الأمة اختلفت كغيرها من الأمم، فلا يجوز أن نجعل للمدرسة الواحدة ميزانا للحكم على المدارس الأخرى، وعليه ستكون الطاعة والمعصية مربوطة بالمدرسة، فالطائع من المدارس الأخرى فاسقا ولو كان برا صالحا تقيا، لا يترحم عليه، ولا يترضى عنه، بل ويتبرأ منه لأنه ليس من هذه المدرسة أو تلك.
من هنا استغلت عقيدة (الولاء والبراء) استغلالاً سيئاً بين المدارس الإسلامية، فكل فرقة تدّعي أنّها على الحق، والفرقة المخالفة إمّا أن تكون فرقة كافرة كما عند الغلاة، أو على أقل تقدير هي فرقة فاسقة، ينطبق عليها أحكام الفسقة من جواز الغيبة، ويجب البغض واللعن على أتباعها، ولا يجوز الترحم والترضي على أفرادها لأنّ هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء.
بل زادات بعض الفرق جواز الكذب على المخالفين، وأصبح عبارة البدعة والمبتدعة وأهل الأهواء والضلالة منهجاً في التعامل مع باقي الفرق.
وفي المقابل كل فرقة أصبحت تمدح نفسها بألفاظ مختلفة، والأولى التسمي بما سمى الله به رسالات الأنبياء جميعا وهو الإسلام:(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
ولا بأس بالأسماء المدرسية ولكن لا أن تجعل من منهجها وصياً على الآخرين، فالميزان بين الأمة واحد، والطاعة والمعصية واحدة، وهذا حد مشترك بين الجميع، والله أنزل كتابا واحدا، وأرسل رسولا واحدا خاتما، فلا يجوز أن تنافس المذاهب كتاب الله فهي محكومة به لا حاكمة عليه.
كما أن القرآن الكريم نهانا عن مشاركة الله في أمر العباد أيضا نهانا عن مشاركته سبحانه وتعالى في أمر الميعاد، حيث اعتبر القرآن الجنة والنار من قضايا الغيب الخاصة به وحده سبحانه، فله الحكم والأمر، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نشارك الله تعالى فيها، فهي من قضايا الغيب التي لا يمكن أن نتكلم في جزئياتها إلا بدليل قطعي واضح، فنحن نعتقد أنّ الجنة والنار حق، وأنّ الله يدخل المؤمنين الجنة، ويخلد الكافرين في نار جهنم، يقول تعالى:(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).
هذا ما يسعنا أن نؤمن ونسلّم به، ولا يجوز أن ندعي أنّ زيداً في الجنة، وسعيداً في النار، فضلاً أن ندّعي أنّ هذه المدرسة في الجنة، وتلك المدرسة في النار، فهذه من ترسبات فكرة (شعب الله المختار) التي ورثناها عن أهل الكتاب، عن طريق الروايات البعيدة في تصورها عن منهج كتاب الله العزيز، يقول تعالى:(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، ويقول أيضا:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
وهنا نلاحظ أنّ القرآن يرشدهم إلى كتابهم الحق التوراة والإنجيل، فهذا التلاعن والتباغض ناشئ من البعد عن الوحي الرباني القاطع إلى أكاذيب الرواة والأحبار، وإلى ما ترسب في النفوس من أهواء وحبّ للذات، فاليهود ابتعدوا عن التوراة إلى التلمود، فضلاً عن تحريفهم للتوراة، فابتعدوا عن الخط الإلهي إلى التصور البشري القاصر، ممّا اعتبر مع مرور الأيام عقيدة كفّر من خالفها.
كذلك النصارى أدخلوا في الإنجيل روايات عديدة منسوبة إلى بعض الرسل، وإن دونت بعد فترات طويلة، ممّا أوجد التعدد بين الأناجيل، والتناقض بينها، وهذا بدوره أوجد موروثات لدى النصارى أبعدتهم عن التصور الإلهي الصحيح، فاعتبروا أنفسهم أهل الجنة، ومن خالفهم من أهل النار.
والحكم على الآخرين أنّهم من أهل النار، إنّما هذا تألي على الله تعالى وإيجاد أسس وقواعد نجعلها أداة لإدخال هذا في الجنة، وإدخال ذلك في النار، حيث إنّ هذه الأسس مستنبطة من تفاسير بشرية، أضفنا إليها صفة الربانية والألوهية، وقويت بروايات بعيدة عن كتاب الله تعالى، هذا بدوره كان من أهم آثاره التطاول على الله في قضايا غيبية، ممّا أورثت التفرق والبغضاء بين المدارس الإسلامية.

إلى الأعلى