الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الطلاق البريطاني .. كل يراه حسب هواه

رأي الوطن: الطلاق البريطاني .. كل يراه حسب هواه

أنهت بريطانيا أمس عضوية استمرت أكثر من ثلاثة وأربعين عامًا في الاتحاد الأوروبي، وفاز معسكر الخروج، رغم توالي التحذيرات من الأضرار الكارثية على الاقتصاد البريطاني أولًا والعالمي في المرتبة الثانية، وكأن البريطانيين لا يدركون تبعات خيارهم والذين صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبي عبر شعار أن الواقع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وأن من حق الشعب البريطاني أن يقرر مصيره بنفسه، وأن يحافظ على سيادة وطنه، ولا يقبل أبدًا بالتدخل في شؤونها، من أي طرف كان.
وهي دعوة وجدت صدى رغم أن جميع المسيطرين على الاقتصاد وأغلب الأحزاب السياسية كانت ضدها، لكنها ارتكنت على إرث بريطانيا العظمى، واعتمدت على تضخيم الشعور القومي لدى البريطانيين، خصوصًا وأن دور بريطانيا قد تراجع عالميًّا اقتصاديًّا وسياسيًّا في الآونة الأخيرة، وأصبحت (من وجهة نظر أصحاب الخروج)، تابعة للاتحاد الأوروبي ومن خلفه حليفته الأساسية الولايات المتحدة التي مهدت لهذا الاتحاد بخطة مارشال، فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبرغم التحذيرات من الانهيار الاقتصادي يرى مؤيدو الخروج أن هناك مبالغ طائلة وهائلة تسددها الحكومة البريطانية للاتحاد الأوروبي، وهذه المبالغ يتصرف فيها آخرون لصالحهم، دون أية فائدة حقيقية عائدة على المجتمع البريطاني.
لكن على النقيض يشعر أنصار البقاء البريطاني في الاتحاد الأوروبي حول العالم بالحسرة، ففي حين يشعر الأوروبيون أن ما أحدثته بريطانيا سيكون له عواقب وخيمة على الاتحاد الأوروبي على المستوى المتوسط والبعيد، وأن بريطانيا قادت موجة خروج سوف يذهب لها العديد من الدول الأعضاء بدعوى الدفاع عن السيادة، حيث يشعر العديد من دول أوروبا بعدم وجود سيادة حقيقية على بلدانهم، وأن القرار الأوروبي أصبح رهينة الأعضاء الكبار، ومن خلفهم واشنطن، ودللوا على ذلك بالاتفاقية المزمع عقدها بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن، وهي تعمل حسب المتوقع على إزالة كافة العوائق بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، لتوسيع حجم التجارة الأوروبية ـ الأميركية التي تقدر بحوالي (455) مليار يورو سنويًّا، ويراها العديد من الأوروبيين وعلى رأسهم بعض الساسة الألمان انتهاكًا للسيادة الأوروبية.
أما داخليًّا فقد بدأ أول مخاوف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي أعلن استقالته فور إعلان نتيجة الاستفتاء، في الظهور حيث عادت مسألة استقلال اسكتلندا مرة أخرى على جدول الأعمال. والواقع أن كثيرين في اسكتلندا ممن يدافعون عن الاستقلال سيجادلون من أجل أن تبقى عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وهو امتناع شعبي من المتوقع أن يؤدي إلى التصويت لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة. وبدوره دعا حزب الشين فين إلى استفتاء على توحيد أيرلندا بعد تقدم معسكر مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي. ودعا الحزب الذي يعد الواجهة السياسية للجيش الجمهوري الأيرلندي إلى استفتاء حول أيرلندا موحدة بعد تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج.
أما على الصعيد الأميركي فإن مغادرة بريطانيا العظمى، الشريك والدولة الصديقة التي كان يمكن الاعتماد عليها في كثير من الأحيان لدعم مواقف تتفق مع مصالح الولايات المتحدة في بروكسل، يضعف بشكل كبير من موقف واشنطن خصوصًا أمام الأميركان الداعين (ترامب) إلى خفض دور الولايات المتحدة في العالم خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي كدليل آخر على أن الحلفاء التقليديين لم يتحملوا نصيبهم من المسؤولية، وأن الولايات المتحدة التي تواجه عجزًا متزايدًا واحتياجات محلية ضخمة لا ينبغي أن تعوض هذا الفارق، كما سيؤدي هذا من وجهة النظر الأميركية إلى إضافة أدلة للقوى النابذة بالفعل. فالقومية والشعوبية في ارتفاع لأسباب اقتصادية واجتماعية، وستكتسب المزيد من الزخم مستقبلًا.

إلى الأعلى