الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أمانان: أحدهما الاستغفار

أمانان: أحدهما الاستغفار

يقول الله تبارك وتعالى:)وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان معذبهم وهم يستغفرون( (الأنفال ـ 33).
إن هذه الأمة أمة مرحومة يرفع عنها العذاب؛ مرحومة بوجود النبي (صلى الله عليه وسلم) وبالاستغفار، وهذا وعد من الله تعالى ووعد الله تعالى لا يتخلف.
نعم للأمة أمانان، الأمان الأول: وجود النبي (صلى الله عليه وسلم)، فهو كما قال عنه ربه تبارك وتعالى:(وما أرسلناك إلا رحمة العالمين) (الأنبياء ـ 107)، والأمان الثاني: الاستغفار، فإذا مات الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وانتقل إلى الرفيق الأعلى بقي الاستغفار، وهو موضوع حديثنا هنا.
فلنكثر من الاستغفار، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستغفر ربه تبارك وتعالى في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة، فالاستغفار سلاح المؤمن وعدته، وغذاؤه ودواؤه في كل أحواله وأوقاته في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، في المنشط والمكره، في الفرح والحزن، وبالاستغفار تغفر الذنوب وتكفر الخطايا وتمحى الآثام، يقول الله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر ـ 53)، ويقول تعالى:(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) (آل عمران 35 ـ 36)، وبالاستغفار تفتح أواب السماء ويغاث الناس، وتكثر الأرزاق، وتتنزل البركات، وتُخرج من الأرض الخيرات، ويمد الإنسان بالمال والبنين، يقول الله تعالى على لسان نوح ـ عليه السلام:(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا ، يرسل السماء عليكم مدرارًا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا) (نوح 10 ـ 12)، وقال تعالى على لسان هود ـ عليه السلام:(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوةً إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) (هود ـ 52).
وبالاستغفار تفرج الكروب والهموم وتحل المشكلات الأزمات، فقد ورد من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل عسر يسرًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.
والاستغفار معناه طلب المغفرة والصفح والعفو من الله تعالى من جميع الذنوب والآثام صغيرها وكبيرها، دقها وجلها، ظاهرها وباطنها، سرها وجهرها.
لقد أمر الله تعالى عباده جميعًا بالاستغفار في كثير من الآيات القرآنية منها، قوله تعالى:(واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (البقرة ـ 199)، وقوله تعالى:(فاستقيموا إليه واستغفروه) (فصلت ـ 6)، وأمر نبيه محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بالاستغفار، فقال تعالى:(واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (محمد ـ 19)، وقال تعالى:(وسبح بحمدك ربك واستغفره إنه كان توابًا) (النصر ـ 3)، وقال تعالى:(فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمدك ربك بالعشي والإبكار) (غافر ـ 55).
ووصف الله تعالى نفسه بأنه غفور، وغفار، وغافر الذنوب، وأهل المغفرة، يقول تعالى: (إن الله غفور رحيم) (البقرة ـ 173)، ويقول تعالى:(وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى) (طه ـ 82)، وفي القرآن الكريم سورة تسمى (غافر)، يقول تعالى في أولها:(غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إليه المصير) (غافر ـ 2)، ويقول تعالى:(أهل التقوى وأهل المغفرة) (المدثر ـ 56)، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين ووعدهم بجزيل الثواب، فقال سبحانه:(كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون) (الذاريات 17 ـ 18)، ويقول تعالى:(والمستغفرين بالأسحار) (آل عمران ـ 17).
ويشرع الاستغفار في كل وقت من الأوقات، وفي كل حال من الأحوال، إلا أن هناك أوقاتًا وأحوالاً يكون للاستغفار فيها مزيد فضل، ومن تلك الأوقات والأحوال بعد أداء الصلاة لتكون كفارة لما وقع فيها من خلل أو تقصير أو زيادة أو نقصان أو سهو فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستغفر الله تعالى ثلاثًا بعد كل صلاة قائلاً:(استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله).
وبعد قيام الليل يقول تعالى:(كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون) (الذاريات 17 ـ 18)، وبعد الوقوف في عرفة والإفاضة إلى المزدلفة:(ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (البقرة ـ 199) وبعد انتهاء المجلس، فعن أبي بَرْزَةَ ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم) يقولُ إذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجِلسِ:(سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبَحَمْدكَ أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ، فقال رَجُلٌ يا رسول الله إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاَ مَاكُنْتَ تَقُولُهُ فِيَما مَضَى؟ قال: ذلكَ كفَّارَةٌ لِماَ يَكُونُ في الْمجْلِسِ) ـ رواه أبو داود.
وللاستغفار صيغ عديدة منها:(أستغفر الله، أستغفر الله العظيم، أستغفر الله وأتوب إليه، رب اغفر لي وتب علي، رب اغفر وارحم، اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت)، وعنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ـ رضي اللَّه عنْهُ ـ عن النَّبِيِّ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم) قالَ:(سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ. منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ) ـ رواه البخاري.
والاستغفار لا ينفع صاحبه إن كان باللسان فقط، فمن استغفر بلسانه وهو مقيم على معاصيه فهو كذاب، استغفاره يكون عليه، فقد قال بعض السلف:(استغفار بدون إقلاع توبة الكذابين).

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى