الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل العشر الأواخر رمضان (1)

فضائل العشر الأواخر رمضان (1)

يمرُّ شهر رمضان المبارك بخيراته .. ونفحاته .. ويحمل بين طياته تلك اللؤلؤة النّادرة في عقده النّفيس .. (العشر الأواخر).
فيا لله وما فيها من الخيرات! ويا لله وما فيها من البركات! لقد كان الصالحون يعدّون الأيام عدًّا .. شوقًا لهذا الضيف المبارك .. والخاتمة العطرة .. (العشر الأواخر من رمضان).
قال الإمام ابن رجب: المحبون تطول عليهم الليالي فيعدونها عدًّا لانتظار ليالي العشر في كل عام، فاذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم، وخدموا محبوبهم.
إن لتلك العشر الأواخر بهاء وسناء الأيام الطّاهرة الَّلذان جعلهما الله تعالى لتلك المواسم الصّالحة شهر رمضان .. يوم الجمعة .. أيام العشر من ذي الحجة .. يوم عرفة… شهر الله المحرم.. يوم عاشوراء.
تلك هي مواسم الطّاعات تمرُّ عليك في كلّ عامٍ فهل تذكرت شرفها؟! هل غنمت الصّالحات فيها؟!.
هناك الكثيرون من النّاس تمرُّ عليهم هذه المواسم وهم غافلون عن شرفها وفضلها ولا تجد فيهم من يحاسب نفسه على تفريطها واضاعتها لخيرات تلك المواسم، ولكن تجد هذا المحروم عارفًا .. متيقظًا لكلّ مالٍ يدخل جيبه متى دخل؟ ومتى خرج؟ وكم كان مقداره؟ وكم بقي منه؟ ها هي أيام العشر الفاضلة تزفُّ اليك لتقول لك: خذ نصيبك منّي قبل أن أرحل!.
يا أيها الصائم: لقد مرت عليك هذه الغنيمة الباردة كثيرًا فكيف كنت تحيا أيامها؟ هل كنت فيها من العابدين المجتهدين؟ هل كنت فيها من المنقطعين عن الدنيا؟ .. إن أيام العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك أيام جعلها الله تعالى فرصةً للعباد .. ليدركوا بها الدّرجات العالية عنده .. وينالوا بها خير الدّنيا والآخرة .. فلا غرابة اذا كان هذا حالها أن يجتهد فيها نبيّنا ما لا يجتهده في غيرها من الأيام وهو الّذي قد غُفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر.
لقد رسم رسول الهدى (صلى الله عليه وسلم) للأمَّة في هذه العَشْر خيرَ نَهجٍ يوصِل إلى الغاية الحميدة ومنازل السعداء، عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها:(أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا دخل العَشْر، شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، وذلك مما يُشعِر بالاهتمام العظيم بالعبادة، والتفرُّغ لها، والانقطاع إليها عن كلِّ شاغِل، وعنها أيضًا:(أن النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) كان يعتكف العَشْر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله) أي: يلزم المسجد لا يبرحه، ولا يشتغِل بغير العبادة فيها اغتنامًا للفرصة، وسَيْرًا على نهج الصالحين، فإن الفرصة إذا أفلتت كانت حسرةً وندامة، وليس لأحدٍ علمٌ بطول العمر، ليستدرك في المستقبل ما فاته في الماضي، وليشتغل بصالح العمل ليدرك الأمل، إنما هي أنفاسٌ معدودة، وآجالُ محدودة، فمَن اغتنم فيها الفرصة الحاضرة، وتاجر في الأعمال الصالحة ربح المَغْنَم.
لا تفوتنكم هذه الفرصة العظيمة، فوالله لا يدري أحدنا هل يدركها مرة أخرى؟ أم يكون ساعتها تحت الأرض مرهون بما قدم لنفسه؟ وهي ليالٍ معدودة تمر سريعاً، والموفق من وفقه الله لاغتنامها والإقبال على الله فيها.
إن الإقبال على طاعة الله والتقرب إليه مطلوب في كل حال، ولكنه في العشر الأخيرة من رمضان أعظم فضلاً وأكثر أجرًا حيث يقترن فيها الفضل بالفضل، فضل العبادة وفضل الزمان.
أيها الغافلون الراقدون .. اهجروا لذيذ النوم، وجحيم الكسل، وانصبوا أقدامكم، وارفعوا هممكم، وادفِنوا فتوركم، وكونوا ممن قال الله فيهم:(تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) .. ولا تنسَوا أن تأمروا بهذا أولادكم وزوجاتكم ، كما كان هدي الحبيب (صلى الله عليه وسلم).
اطلبوا الليلةَ العظيمة التي لا يحرم خيرها إلا محروم، ليلةُ العتق والمباهاة، ليلةُ القرب والمناجاة، ليلةُ نزول القرآن، ليلةُ الرحمة والغفران، ليلةٌ هِيَ أمّ الليالي، كثيرةُ البرَكات، عزِيزَة السّاعات، القليلُ منَ العمَلِ فيها كَثير، والكثيرُ منه مضَاعَف، (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سلام ..)، لَيلةُ سلامٍ وبَرَكاتٍ على هذِهِ الأمّة.
وقد أخفى الله هذه الليلة في العشر ليجتهد المسلم في العبادة، ومن اجتهد في العشر كلها فقد أدرك ليلة القدر بلا شك، فاغتنموا هذه الليلة المباركة عباد الله ، وعظموها بالقيام وتلاوة القرآن، وأكثروا فيها من ذكر الله وسؤاله المغفرة والنجاة من النار .
أخي الصائم: في كلِّ لَيلةٍ ساعةُ إجابَةِ، الأبوابُ فيها تفتَح، والكريم فيها يمنَح، فسَل فيها ما شئتَ فالمعطِي عظيم، وأيقِن بالإجابةِ فالرّبّ كريم، وبُثَّ إليهِ شَكواك فإنّه الرّحمنُ الرّحيم، وارفَع إليه لأواكَ فهوَ السّميع البصير، يقول ـ عليه الصلاةُ والسلام:(إنّ في اللّيلِ لساعةً لا يُوافقها رجلٌ مُسلم يسأل اللهَ خيرًا مِن أمرِ الدّنيا والآخرة إلاّ أعطاه إيّاه، وذلك كلَّ ليلة) ـ رواه مسلم.
ونسَماتُ آخرِ الليلِ مظِنّة إِجابةِ الدّعوات، قيلَ للنبيِّ (صلى الله عليه وسلم): أيّ الدعاءِ أسمَع؟ قال:(جوفُ اللّيل الآخِر ودُبر الصّلواتِ المكتوباتِ) ـ رواه الترمذيّ وصححه الألباني.
وقد سألت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عما تدعو به في ليلة القدر إن هي علمتها، فأرشدها أن تقول:(اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).
إن من اكد السنن في هذه العشر، السنةَ التي كان يحافظ عليها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ولم يتركها حتى مات، سنة الإعتكاف، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) يعتكف هذه العشر، طلباً لليلة القدر حتى توفاه الله، ثم اقتدى به في ذلك أزواجه وأصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين، فمن تيسرت له هذه السنة فلا يحرم نفسه هذه السنة المحمدية والخلوة الربانية، فإنها بلسمٌ للقلوب ودواءٌ لآفاتها، فإن لم يتيسر له اعتكاف العشر فليعتكف بعض الأيام .. فإن لم يتيسر له فليعتكف ليلة، فإن لم يتيسر له الاعتكاف فليتشبه بالمعتكفين، فيكثر المكث في المسجد وقراءة القرآن، ويشهد صلاة القيام ويقطع علاقته بفضول الدنيا، ويؤجل كل ما يمكن تأجيله من الحاجات والمصالح، وليعشْ في خلوة بربه.

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى