الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاجتهاد في العشر الأواخر

الاجتهاد في العشر الأواخر

إن العشر الأواخر من رمضان فيها فضل كبير لمن أحسن استغلالها بالاجتهاد في العبادة، فقد وصفها رسول الله )صلى الله عليه وسلم( بأنها عتق من النار، فهذه الأيام فيها خير عظيم ورحمة واسعة من الله تعالى، فهذه الأيام مكافأتها لصاحبها المجتهد في العبادة أنها سبب لعتقه من النار والنجاة منها، وسببا للفوز بالجنة التي أعدها الله للمتقين، ولذلك كان النبي )صلى الله عليه وسلم( يضاعف من عبادته ويزيد نشاطه أكثر فيها وخاصة في لياليها المباركة، وقد وصفت أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ عبادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رمضان بقولها:(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ).
ولقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يجتهد في العشر الأواخر لأنها مظنة ليلة القدر، فكان شغله الشاغل فيها أن يتقرب إلى الله تعالى فيها بشتى أنواع القرب، وقال ابن بطال في شرح هذا الحديث: إنما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لأنه أخبر أن ليلة القدر فى العشر الأواخر، فَسَنَّ لأمته الأخذ بالأحوط فى طلبها فى العشر كله لئلا تفوت، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن فى ليالى السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا الليالى كلها فى طلبها، فذلك يسير فى جنب طلب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة فى عشر ليال؛ ليدركها أهل الضعف وأهل الفتور فى العمل مَنا من الله ورحمة، وقال سفيان الثورى: قوله :(شد مئزره) فى هذا الحديث يعنى: لم يقرب النساء، وفى قوله: (أيقظ أهله) من الفقه أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر، ويحملهم عليها.
ومن خلال ما تقدم نتعلم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه على المسلم أن يبتعد عن شواغل الدنيا في هذه الأيام المباركة ويتفرغ للعبادة، وعليه أن يحث أهله كذلك على استغلال العشر الأواخر من رمضان، وقد وجهنا الله تعالى إلى الاهتمام بالأهل وتقديم النصيحة لهم وخاصة الصلاة فقال تعالى:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل ـ عليه السلام ـ لأن من جملة أعماله أنه كان يأمر أهله بالصلاة، قال تعالى:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).
ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة، فلم يكن يجتهد بنفسه فقط في العبادة، بل كان ينصح أهله ويشجعهم في قيام الليل والذكر والدعاء.
ورد أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل، أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).
فعلى المسلم أن يستغل هذه الليالي العظيمة في التقرب من الله تعالى وعليه أن لا يضيع وقته فيها دون استغلال لها فهو لا يعلم هل سيوفقه الله لأن يعيش ليشهد رمضان آخر ويشهد هذه الأيام المباركة أم لا.

عبدالله بن يحيى الحارثي

إلى الأعلى