السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

الحلقة التاسعة
ظن الأميركيون أنه بمجرد إسقاط تمثال صدام حسين يرفع العراقيون الرايات البيضاء بأيديهم

بداية المقاومة
هناك ثلاثة تواريخ هامة، يجب الاشارة إليها عند الحديث عن الغزو والاحتلال والمقاومة، أحد هذه التواريخ هو الأول من مايو عام 2003، وهو اليوم، الذي توصلت فيه جميع القيادات الأميركية (البيت الابيض والخارجية
والبنتاجون ووكالة المخابرات الأميركية) إلى قناعة تامة تقول، بأن (المهمة قد أنجزت)، وأن يد أميركا في العراق هي الطولى والاولى والأخيرة،وأنه لا وجود لقوة اخرى تنافسها أو تتحداها، لذلك أعلن في هذا اليوم (1/5/2003) الرئيس الأميركي والقائد العام للقوات المسلحة الأميركية جورج دبليو بوش من على حاملة الطائرات الأميركية (ابراهام لنكولن) وفي خطابه الشهير(انتهاء العمليات العسكرية الكبرى في العراق)، وهو بيان (الانتصار الأميركي) وهزيمة العراق بصورة نهائية، أما التاريخ الذي لم يتحدث عنه أحد فهو العاشر من ابريل 2003، أي قبل عشرين يوما من إعلان الرئيس جورج دبليو بوش انتصار الولايات المتحدة، وهو اليوم، الذي تأكد للجميع، أنه يوم انبثاق المقاومة العراقية، أما التاريخ الثالث، فهو (9/4/2003)، الذي دخل صفحات التاريخ باعتباره، يوم دخول القوات الأميركية مدينة بغداد العاصمة العراقية، أما (غائمية المصطلح)، فالمقصود بها، أنه خلال العشرين يوما المحصورة بين (9/4/2003 و1/5/2003)، حصلت أحداث على أرض العراق، لم يكن يتوقعها القادة العسكريون الأميركيون، ونقصد بها الهجمات التي طالت قواتهم، فقد تصور قادة البنتاجون والبيت الأبيض، أن مجرد إسقاط تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عصر يوم الاربعاء التاسع من ابريل، فان العراقيين جميعا، سيرفعون الرايات البيضاء بأيديهم، ويرسمون الابتسامة على وجوههم، ويتبارون لنثر الورود والزهور، التي تتفتح وتتكاثر في شهر ابريل، حيث يحل في تلك الأيام فصل الربيع في العراق، وينشغل جنود المارينز والمجندات الشقراوات، اللذين أتعبتهم رحلة الاسابيع الثلاثة من الأراضي الكويتية إلى بغداد، ينشغل هؤلاء بتلقف باقات الورد التي تتساقط عليهم مثل نداوة رذاذ المطر، وينشغلون برسم ابتسامة التعالي والتباهي، ولايمانعون من وقوف العراقيين في طوابير لتقبيل أياديهم.
إلا أن الواقع العراقي الذي مازال في تلك الأيام ، يئن تحت وقع الحصار القاسي، الذي تواصل لثلاث عشرة سنة (من 1990) وسقطت خلال تلك السنوات على الرؤوس الاف الأطنان من القنابل والصواريخ ابتداء من فجر يوم (19/3/2003)، وفوق كل ذلك، ماتعرض له العراقيون من هجوم إعلامي هائل أسمته الإدارة الأميركية (الصدمة والترويع)، وسط هذا الواقع، واستنادا إلى الدراسات الاجتماعية والسياسية، وبسبب هطول قوة أميركية هائلة على أرض العراق، والإنهيار السريع والمفاجئ للمؤسسة العسكرية والسياسية والأمنية العراقية، وعدم وجود بارقة أمل على الإطلاق، باحتمال وجود من يناصر ويدعم أو حتى يؤيد من يقف ضد الأميركيين، أو يتصدى لهم، كل هذه المعطيات، ولدت قناعة راسخة عند الجميع، بأن ماحصل في المجتمع الياباني والألماني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية العام 1945، سيحصل في العراق، وأن الهدوء والصمت والاستكانة والقبول بواقع الاحتلال، هو السمة الاولى والأخيرة في هذا البلد.
لقد انعكس ذلك كله على مجريات الأحداث، وكيفية التعاطي معها، فوسائل الإعلام المختلفة، قد أولت اهتماما واسعا للبيانات الأميركية، التي تتحدث عن سيطرة قواتها على المدن العراقية، وتأتي إشارات ضمنية ومقتضبة للخسائر التي تعلن عنها البيانات الصادرة عن الجيش الأميركي،واقصد بذلك خلال الفترة الممتدة من (10- ابريل حتى الاول من مايو 2003) وسادت قناعات راسخة، بأن ماتتعرض له هذه القوات من هجمات متفرقة، لاتخرج عن اصطلاح (الجيوب القتالية)، وكما شرحنا ذلك، فأن استمرار المقاتلين أو قطعات الجيش في القتال، بعد توقف العمليات القتالية في المعارك والحروب، لم يحصل، إلا بسبب انقطاع الاتصال بتلك المجاميع، والتي غالبا ماتتواجد في قمم الجبال والغابات وفي الأماكن البعيدة، وبسبب عدم معرفة المسؤولين عن تلك المجاميع بتطور الأحداث وتوقف المعارك، فأنهم يواصلون إطلاق الصواريخ عندما يشاهدون طائرة معادية، وماشابه ذلك، إلا أن التجربة العراقية، تختلف تماما، فالجميع أدرك، أن منظومة الحكومة العراقية قد انهارت تماما، وانهار معها اي خط اخر بإمكانه التصدي لهذه القوة الهائلة، التي استطاعت تحقيق انتصار سريع جدا، ودخلت العاصمة العراقية خلال ثلاثة اسابيع فقط، من لحظة شروعها بالحركة من خارج الحدود العراقية انطلاقا من الأراضي الكويتية في الجنوب.
نقول أن غائمية المصطلح سادت في وسائل الإعلام طيلة عشرين يوما، بسبب عدم وجود أي احتمال لبروز مقاومة مسلحة، قادرة على شن هجمات ضد القوات الأميركية، والاستمرار في ذلك، لعدم توفر العوامل المساعدة لنشوء مثل هذه المقاومة، والتي تحدثنا عنها سابقا بالتفصيل،وفي مقدمة ذلك انعدام (الثنائية) في المنظومة الدولية، التي طالما كانت هي السمة السائدة في العالم عبر العقود والقرون، وتفرد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن العشرين، يضاف إلى ذلك الزلزال النفسي الخطير والهائل، الذي عاشه العراقيون في تلك الايام، لذلك اقتنعت الغالبية العظمى من المراقبين والمتابعين والاستراتيجيين باستحالة بروز مقاومة عراقية، على الأقل في تلك الايام والاسابيع،وفي الأشهر اللاحقة وربما لسنوات عدة.
وحتى عندما سقط (22) قتيلا من القوات الأميركية خلال العشرين يوما من شهر ابريل والعشرات من الجرحى، لم يتحدث أحد عن مقاومين في العراق، يقفون وراء إلحاق هذه الخسائر بقوات الاحتلال الأميركية والبريطانية، وكان الجميع ينتظرون الإعلان الذي يصدر عن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، عن انتهاء (العمليات العسكرية)، الذي يستند إلى عوامل عدة، في مقدمتها قناعة القوات الأميركية بالسيطرة على العراق، خاصة أنها في اليوم السادس للاحتلال قد أعلنت عن سيطرتها على 50- 60% من الأراضي العراقية، وبعد دخول بغداد توالت البيانات الأميركية عن دخول مدن الموصل وكركوك وصلاح الدين والانبار وديالى، وهي المناطق التي لم تشهد عمليات قتالية منذ بداية الغزو في (19/3/2003) إذ اندفعت القوات الأميركية والبريطانية من جهة الجنوب أي مدينة البصرة صعودا، وكان إسقاط التمثال في ساحة الفردوس (9/4/2003) أمام مختلف وسائل الإعلام المتواجدة في فندق الميريديان، بمثابة الإعلان الرسمي عن الانهيار التام والنهائي للمنظومة الحكومية بكافة مؤسساتها وأجهزتها ،بل انهيار العراق كاملا.
لذلك نرى أن بداية وضوح المصطلح، للكثير من وسائل الإعلام العالمية، جاء بعد إعلان الرئيس بوش بيان الانتصار في الاول من مايو 2003، ويمكن قراءة ذلك من خلال الجملة التي لازمت التقارير والأخبار، التي تنشرها وسائل الإعلام، وتقول (وصل عدد القتلى من القوات الأميركية إلى كذا وكذا منذ إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش انتهاء العمليات العسكرية في الاول من مايو/2003، من الواضح، أن القائمين على منظومة التحليل الإستراتيجي في وكالات الأنباء العالمية وفي المؤسسات الصحفية والإعلامية الكبرى، قد بدأوا يقرأون الواقع الميداني في العراق من زاوية جديدة، تحاول الاقتراب من صياغة مصطلح يتساوق مع مايحصل في الميدان، وهو وقوع هجمات على القوات الأميركية والبريطانية، ينسجم ومفهوم المصطلح المتعارف عليه عندما يقع اي بلد تحت الاحتلال، لذلك فأنه خلال الاسابيع الاولى بعد إعلان (1/5/2003) اضطرت العديد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية إلى استخدام مصطلح (عمليات مقاومة) في العراق، وهو مافرضته هجمات المقاومة العراقية التي بدأت بالازدياد والانتشار في العديد من المناطق.
إن هجمات المقاومة العراقية،التي بدأت مسارها بقتل اثنين من الجنود الأميركيين في (10/4/2003) استنادا إلى اعتراف الجيش الأميركي ،لم تتوقف، وتواصلت منذ ذلك اليوم، وسنتحدث عن هجمات المقاومة العراقية حسب اعترافات البنتاجون، إضافة إلى مصادر عراقية، روت لنا بعض الهجمات التي شنتها المقاومة العراقية، ولم تذكرها بيانات الجيش الأميركي، كما نستند في تلك المعلومات إلى ما تناقلته بعض الصحف من خلال مراسليها وما بثته وكالات الانباء العربية والعالمية.
اختطفت الشاشات الفضية من خلال البث الفضائي تغطية تطورات الاحداث المتسارعة في العراق، منذ الساعات الاولى من صباح الاربعاء (9-4-2003)، لدخول القوات الأميركية قلب بغداد من جهة الرصافة، حيث اتجهت الدبابات الأميركية صوب شارع فلسطين، الذي تتواجد فيه وزارات الري واللجنة الاولمبية، وعلى مقربة منه وزارة النفط، وعلى بعد عشرات الأمتار وزارة النقل والمواصلات، وسارعت الفضائيات إلى تكرار مشاهد السلب والنهب، التي حصلت في إشارة واضحة إلى أن أحداثا اخرى لاوجود لها في العراق، بقصد تشجيع العراقيين على الغرق في وحل واحدة من أسوأ الرذائل، وهي السرقة والنهب والسلب، واستمر الحال لعدة أيام،
إذ تتكرر تلك المشاهد، وما أن يهبط الليل في تلك الأيام النيسانية الباردة، حتى يشعر المرء، أن بغداد ومدن العراق الاخرى تئن وتذرف الدموع، وأن خوفا مركبا يدهم العراقيين، الخوف من العصابات والمجرمين، والخوف من هؤلاء الغرباء، الذين يضعون نظارات معتمة على عيونهم، ويجلسون خلف رشاشاتهم فوق دبابات ضخمة جدا، لم يشاهد بمثل حجمها العراقيون إلا في افلام هوليوود.
في اليوم الرابع لاحتلال بغداد (12/4/2003)، توجهت إلى فندق الميريديان امام ساحة الفردوس، لاطمأن على الاصدقاء والزملاء، وعند مدخل الفندق من جهة شارع السعدون، توقفت للحظات، وأنا أشاهد دبابة ابرام ضخمة جدا، تحيط بها أجهزة الكترونية واسلحة مختلفة، ويجلس في قمرتها جنديان أميركيان يحدجان العراقيين بنظرات تزخر بالزهو وترمي ذؤابات من الإهانة والإحتقار على العراقيين، ولسان حالهم يقول، نحن أسيادكم، لأنكم شعب مهزوم، ونحن جيش قوي شجاع،انتصر عليكم، وبقصد أو بدون قصد، يحرك جندي المارينز حذاءه صوب وجوه العراقيين، الذين كانوا يسيرون في شارع السعدون، حينها سحبت نفسا عميقا، وأدركت لماذا يجب أن تقاوم الشعوب من يحتلها، في تلك الأثناء لم أدرك أن المقاومة قد بدأت شوطها منذ ثلاثة أيام، إذ لم تسلط الفضائيات ووسائل الإعلام الاخرى أي بقعة ضوء على فعل رجال المقاومة العراقية ،ولا شك أن القائمين على وسائل الإعلام قد وقعوا تحت سطوة سحر القوة الأميركية التي لا تقاوم لأنها (أميركا) لاتُهزم أبدا،وأن ضبابية ما زالت قائمة في استخدام المصطلحات،لذلك وجدوا في ما يحصل ليس بأكثر من جيوب قتاليه،رغم أن هذا الوصف لا يصلح على الإطلاق في العراق في ذلك الوقت.
طيلة العشرين يوما، لم يتنبه العراقيون، إلى نتف الأخبار، التي تأتي مقتضبة وفي سياق نشرات الأخبار، وتتحدث عن سقوط قتلى أو جرحى أميركيين، كما أن أحدا لم يلتفت فيما إذا كان ذلك جراء حوادث السير، كما دأبت البيانات الأميركية على قول ذلك، او بنيران صديقة، ووسط هذا الخلط الشديد وعدم وضوح الصورة، فقد حصلت هجمات شنها المقاومون في العراق، وأعتقد الكثيرون، أنها ليست بأكثر من الزفرة الأخيرة، ولم يتصوروا أنها كانت الاستشاطة الاولى في مقاومة ستسجل في صفحات التاريخ أنها الأسرع عبر التاريخ الحديث، وأن المئات سيلتحقون بصفوفها خلال أيام، وقبل أن تكمل شهرها الثالث، سيكون مقاتلوها بالالاف.
اولى الهجمات التي نفذها المقاومون في العراق، حصلت في يوم (الخميس) العاشر من ابريل 2003، واعترف بيان للجيش الأميركي بمقتل أحد جنود المارينز في بغداد، وبينما توزعت عشرات نقاط التفتيش التي أقامتها القوات الأميركية في مناطق بغداد وفي محيطها، أقترب أحد الأشخاص من واحدة من نقاط التفتيش تلك، التي أقامتها القوات الأميركية في العاصمة العراقية، وفوجئ المارينز بالهجوم الذي نفذه أحد رجال المقاومة، وقال بيان للجيش الأميركي، أن جنديا من المارينز قد قُتل في ذلك الهجوم، وأعلن البنتاجون في وقت لا حق اسمه وقال في بيان يوم السبت (12/4/2003) أن (تيري هيمنغواي) قد قُتل في هجوم وقع يوم العاشر من ابريل في بغداد،وهو أول قتيل بعد التاسع من ابريل،لذلك اهتمت به بعض وسائل الإعلام وكتبت صحيفة التايمز(31) عنه تقول (أنه القتيل الاول بعد السيطرة على بغداد،وأنه من مواليد 29 سبتمبر عام 1963، والتحق بالجيش الأميركي بعد إنهائه الدراسة الثانوية عام 1981، وتفاخرت الصحيفة به بعددها الصادر يوم 19-4-2003. وتحدثت صحيفة (يو اس اي تودي) (32)الأميركية واسعة الإنتشار عن حياة تيري، وأجرت وكالة اسوشيتدبرس (33)مقابلات مع عائلته،ذكروا أنه كان حاجزا على طائرة لوكربي الشهيرة التي سقطت في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه تأخر عن موعد الطائرة وسافر على الرحلة التالية لها، وبهذا نجا من موت محقق، وقالت والدته أن ولدها توفي هناك لانه ذهب لمساعدة الناس الذي كانوا في (عبودية) للحصول على حريتهم،وأنه لم يموت عبثا وترك تيري وراءه ثلاثة أبناء (دانيشا والفينيسيا وجونيور)، إلا أنه من الملاحظ أن وسائل الإعلام الأميركية لم تهتم في مرحلة لا حقة بتفاصيل حياة القتلى من الجيش الأميركي، الذين تواصل سقوطهم على أيدي المقاومة العراقية، بسبب الأعداد الكثيرة، كما أن الرئيس جورج دبليو بوش منع وسائل الإعلام من الوصول إلى المطارات التي تستقبل جثامين القتلى القادمين من القاعدة الأميركية في المانيا بعد نقلهم من قاعدة البكر الجوية شمال بغداد.
ويخدم تيري هيمنغواي أول قتلى القوات الأميركية في قوة السرية الثالثة التابعة للكتيبة الاولى من الفوج الخامس عشر مشاة ومقره ولاية جورجيا، وهو برتبة سيرجنت، كما أعلن البنتاجون المعلومات الخاصة بالقتيل الثاني، الذي سقط بنيران المقاومة العراقية، وقال بيان صادر عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)(34) أن القتيل الثاني هو السيرجنت جيفري ادوارد (39 عاما) من نيوجرسي، وقتل ببغداد يوم الخميس العاشر من ابريل 2003، وكان على قوة الكتيبة الثالثة من الفوج الخامس عشر للفرقة الثالثة مشاة ومقره ولاية جورجيا، وقالت وكالة اسيوشيتدبريس في تقريرها عن القتيل، أنه قتل في معركة في شمال بغداد بمعركة استمرت سبع ساعات، التحق بالجيش بصفة حارس وبعدها اصبح احد افراد مشاة البحرية، وقد شارك في الانزال بالمظلات في غرينادا ،وساعد بالاطاحة بالرئيس البنمي نورييغا، وشارك في حرب الخليج العام 1991، لم يكن لديه اطفال وعلمت زوجته بمقتله اثناء قيادتها السيارة، وقبل مغادرته إلى العراق انتقد والده بشدة وقال :أنه يشكك في ارسال قوات إلى العراق،وخاطب والده بالقول،أنت لا تعرف الكثير عن ذلك كما افعل أنا،ونحن بحاجة للذهاب إلى هناك.
كانت عوائل الجنود الأميركيين قد احتفلوا في ساعات الصباح الاولى من يوم الأربعاء التاسع من ابريل وهم يتابعون مشاهد إسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس امام فندق المريديان، وبينما كانت الساعة في حدود الخامسة عصرا حسب توقيت بغداد المحلي، كان الوقت صباحا في الولايات الأميركية، إذ يسبق العراق الولايات المتحدة بحدود ثماني ساعات،و إبتهجت عوائل الجيش الأميركي والبريطاني وأحباء أميركا القريبون والبعيدون، متصورين أن لا صوت بعد هذه الساعات لإطلاق النار،وأن الحال سيكون مشابها تماما لما جرى بعد الانتصار الذي حققه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية العام 1945 على كل من ألمانيا واليابان، وأن لا صوت بعد الساعة إلا لأميركا وأتباعها، وبدأت العوائل الأميركية تعد العدة لبدء رجوع جنودها معززين مكرمين، يحملون أوسمة الشجاعة، إلا أن أول صدمة كانت لعائلتي تيري هيمنغواي جيفري ادوارد،ومنذ تلك الساعة بدأ مسلسل إرسال الجثامين والمعاقين والمجانين من القوات الأميركية والبريطانية، ولم يدم الحلم الإحتفالي لعوائل جيوش الاحتلال، فقد انطلقت قوة المقاومة العراقية وتواصلت لتقلب جميع الموازين وتقتل كل الأحلام المريضة والبائسة.
و(نشرت صحيفة يو اس اي تودي الأميركية صور هؤلاء القتلى، وتم تثبيت تاريخ قتلهم في العاشر من ابريل 2003، وهو اليوم الاول لبدء المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي).
ولاندري ربما يكون (تيري) حفيد الروائي الأميركي الشهير ارنست هيمنغواي صاحب رواية (الشيخ والبحر) و(لمن تقرع الاجراس) أو ربما من نفس العائلة، وكان ضابط أميركي قد أفاد لمراسلي وكالات الانباء المرافقة للقوات الأميركية (المارينز) أن قواته قد واجهت (الخميس) مقاومة عنيفة على الضفة الشمالية لنهر دجلة، موضحا أن أحد رجال المارينز قد قتل وأن 13 اخرين جرحوا في هذه المعارك (35).(صحيفة الرياض السعودية العدد 12712 بتاريخ (11/4/2003).
أن الضابط الأميركي لم يدر بخلده أن لفظة (المقاومة) ستتحول إلى واقع حال وفعل يومي لاينقطع، مايؤدي إلى قلب موازين القوى والتأثير على جوهر وهيكل الخطط الأميركية في العراق، ونقلت الوكالات خبرا مقتضيا نصه “أن فدائيا فجر نفسه في مجموعة من الجنود الأميركيين عند حاجز عسكري في بغداد بالقرب من فندق فلسطين مريديان، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة عدد اخر بعضهم في حالة الخطر” ونُشر هذا الخبر في اليوم التالي لبثه أي يوم (11/4/2003)، ونشرت ذلك الكثير من صحف العالم في طبعتها التي صدرت في اليوم التالي ،وفي اليوم نفسه قالت وكالات الانباء أن معارك عنيفة وقعت في منطقة الاعظمية، وتحاشت الكثير من وسائل الإعلام الإشارة إلى إسم المنطقة، وأكتفت بالقول، أن خمسة مدنيين قتلوا وجرح
ستة اخرون في (معركة المسجد) المقصود به مسجد الامام ابو حنيفة النعمان في منطقة الاعظمية، وأفاد سكان الحي أن معارك عنيفة وقعت، ودُمرت خلالها دبابتان أميركيتان،ولم تعترف بيانات القوات الأميركية بهذه الخسائر، التي تأكدت دقتها من خلال روايات سكان المنطقة.
ونقلت بعض وسائل الإعلام خبرا لايزيد عن سطر واحد تحدث عن إصابة أربعة جنود أميركيين عندما تعرضوا لإطلاق نار جنوب بغداد،في إشارة إلى اليوم الرابع للإحتلال الأميركي للعراق،دون اعطاء تفاصيل عن طبيعة الهجوم وعدد المشاركين فيه وأنواع الأسلحة المستخدمة في الهجوم، الذي وقع (الاحد 13/4/2003)(36). (المصدر صحيفة الشرق الاوسط اللندنية الصادرة في 14/4/2003).
لقد إعترفت البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) بسقوط 22 قتيلا من قواتها خلال الفترة (من العاشر من ابرل وحتى الثامن والعشرين منه، عام 2003)، وهي الفترة الممتدة من اول يوم من الإحتلال الأميركي في العاشر من أبريل حتى إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الانتصار في العراق وإنتهاء العمليات العسكرية في الاول من مايو 2003، وسقط القتلى الأميركيين حسب التسلسل التالي من ايام شهر ابريل (يوم 10 قتيلان ،يوم 11 قتيل واحد هو (رايان توجيدا) 26 عاما من قوات المارينزمن نيويورك وقتل اثناء عمليات قتالية ببغداد، وقالت والدته في مقابلة لمجلة (وينشستر ستار) أنها كانت تراقب التلفاز اثناء الحرب عسى ان تراه،تضيف انها كانت تتالم عند مقتل الجنود وتتعاطف مع عائلاتهم لكن مقتله كان مؤثرا جدا بالنسبة لها،وابلغ قادة المارينز بخبر موته وقالوا أنه اصيب برأسه خلال اشتباك مع مسلحين ببغداد وتوفي في طريقه إلى المستشفى.
يوم 12 ابريل قتيلان هما (جيسز جونزاليز وعمره 22 عاما من قوات المارينز،يقطن كاليفورنيا وقتل ببغداد) والثاني هو (عريف البحرية اوينز ديفيد عمره 20 عاما من فرجينيا وقتل ببغداد)، يوم 13ابريل قتيلان هما (جل ميركادو 25 عاما من الجيش الأميركي نيوجرسي وقتل بمطار بغداد) والثاني هو جوزيف اكيفيدو 46 عاما من مشاة البحرية يسكن نيويورك )، يوم 14 ابريل ستة قتلى (وهو اكبر عدد سقط فيه قتلى من الجيش الأميركي في الأيام الاولى من الاحتلال) وهم كل من (توماس فولي وباتريك جوزيف وارماندو جونزاليز وريتشارد الين وديفيد جاسون وجون براون) وبينما تم الإعلان عن مقتل اخر ثلاثة ببغداد،فلم يتم توضيح أماكن قتل الاخرين.
يوم 17 قتيل واحد هو (جون ريفيرو عمره 23 عاما من الجيش الأميركي يقطن فلوريدا وقتل خلال هجوم للمقاومة العراقية في تكريت).
يوم 22 اربعة قتلى هم كل من (اندريو ارنولد وجي ار روبرت وليام والان لام ) وقتل هؤلاء جميعا في الكوت.
يوم 25 قتيلان هم كل من ( اوزبالدو اوروزكو و نارسون سولفيان) والاول قتل قرب تكريت دون الاشارة إلى مكان قتل الثاني.
يوم 28 قتيل واحد هو (جو جارزا يبلغ من العمر 43 عاما من الجيش الأميركي عريف أول يقطن تكساس وقتلته المقاومة العراقية في بغداد) (37).
جميع هؤلاء سقطوا قتلى بإيدي المقاومين الذين تصدوا للإحتلال الأميركي منذ يومه الاول، أن سقوط اثنين وعشرين قتيلا خلال عشرين يوما في اول ايام الاحتلال الأميركي للعراق على إيدي رجال المقاومة العراقية، ليس بالأمر البسيط، وهنا نتحدث عن القتلى الذين إعترف بهم الجيش الأميركي، في حين تجاهلت البيانات الأميركية خسائر اخرى، ولم تأت على ذكرها إطلاقا، على سبيل المثال، عند مراجعتنا للبيانات الأميركية التي صدرت يوم الجمعة (18/4/2003) وفي الايام التالية، لم تتطرق إلى واحدة من المعارك الشرسة، التي وقعت في جانب الكرخ من مدينة بغداد، بالقرب من منطقة نفق الشرطة، إذ هاجم عدد من المقاومين رتلا
للقوات الأميركية، في الشارع المؤدي إلى طريق مطار بغداد الدولي، وكان ذلك في حدود الساعة الثالثة بعد ظهر ذلك اليوم (الجمعة) وهو اليوم الثامن للإحتلال الأميركي للعراق، وذكر شهود عيان للمؤلف من أبناء منطقة حي الشرطة ببغداد(38)، أن المقاومين استخدموا قاذفات (R B G7) وأسلحة خفيفة، وتمكنوا من إحراق ناقلة جنود نوع (همر) وقتلوا جميع من كان بداخلها، وأصابوا ناقلات اخرى، وردت القوات الأميركية بنيران أسلحتها على المهاجمين، وسقط اثنان منهم قتلى في المكان، ولم تعترف البيانات الأميركية بوقوع قتلى في صفوف قواتها خلال الايام (18 وهو يوم الهجوم الذي اشرنا إليه ولا في الايام اللاحقة 19،20،21) من شهر ابريل، في حين تأكد لكل من كان قريب من مكان الهجوم أن قتلى الجيش الأميركي ليس بأقل من ثلاثة إلى اربعة جنود،فقد إحترقت العربة القتالية التي كانوا يستقلونها بالكامل، ولم يخرج أي شخص منها، وهذا دليل قاطع على كذب البيانات الأميركية وعدم اعترافها بجميع الهجمات التي تشنها المقاومة العراقية ضدها،وتواصل هذا الكذب طيلة سنوات الإحتلال،والقصص والشواهد كثيرة جدا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
31- المصدر صحيفة التايمز البريطانية عدد يوم 19-4-2003.
32- المصدر صحيفة يو اس تودي الأميركية 19-4-2003.
33- بثت وكالة اسيوشيتدبريس للأنباء مقابلات مع عائلة القتيل تحدثوا فيها عن حياته وعلاقاته بعد ايام من مقتله .
34- بيان وزارة الدفاع الأميركية ذكر سقوط قتيلين في بغداد يوم العاشر من ابريل 2003 ، كما ذكرت تفاصيل عن القتيلين المذكورين صحيفة يو اس تودي الأميركية.
35- صحيفة الرياض السعودية العدد 12712 بتاريخ 11/4/2003.
36- المصدر صحيفة الشرق الاوسط اللندنية الصادرة في 14/4/2003.
37- نشرت صورهم واسماءهم وتواريخ واماكن قتلهم المواقع الخاصة بقتلى الجيش الأميركي في العراق ومن بينها موقع مايكل وايت.

إلى الأعلى