الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / يوم الفتح الأعظم

يوم الفتح الأعظم

قال الله تعالى لرسوله ولنبيه )صلى الله عليه وسلم(:(إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزاً) (الفتح 1 ـ 3).
نزلت هذه السورة في صلح الحديبية الذي أبرمه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع عدوه الأساسي في ذلك الوقت قريش, فهذه الآيات تبشره (صلى الله عليه وسلم) بأن تلك المعاهدة هي البداية للفتح الأعظم فتح مكة وهذا ما حدث فعلا فقد كان نقض قريش لفقرة من فقرات تلك المعاهدة سببا لغزو النبي (صلى الله عليه وسلم) لها وفتحه مكة وكان هذا الفتح الأعظم فتح مكة في شهر رمضان المبارك.
وبعد ستة أعوام من الهجرة برح الشوق بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه فمكة والكعبة والقبلة والأهل والذكريات على مسيرة فراسخ وهم عاجزون عن بلوغها وطلع عليهم النبي بأسعد الأنباء أنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون سيدخلون بغير قتال وإنما ابتغاء العمرة والحج وأذيعت الأنباء وكان الشهر ذا القعدة حتى ترامت إلى قريش في بطن مكة إذا فقد أذن بالحج لا بالغزو وبدأ الزحف السلمي والروحي في عدد يبلغ ألفا وأربعمائة من المسلمين غير أن قريشا توجست خيفة وصممت وهي في عرينها ومنعتها وحميتها أن تحول بينهم وبين دخول أم القرى، ارتابوا في نوايا المسلمين رغم إحرامهم وأمعنوا في عنادهم ولو شاء الله تعالى لمكن لمسلمين أن يحجوا في عامهم هذا ولكن لله تعالى إرادة (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (العنكبوت ـ 2).
تجمع الفرسان والمشاة من قريش صفوفاً كأنها السياج والحصون حول مكة وقد وقرت الفكرة في أذهانهم أنها الحرب لا الحج ورأى البعض أن يستوقفوا من حقيقة هدف النبي (صلى الله عليه وسلم) فأوفدوا واحدا إثر آخر ليستبين الأمر فكانت الرسل تعود مؤكدة أن القوم لا يبتغون سوى البيت فخلوا بينهم وبينه، ولكن أبداً ما صدقوهم، كل هذه الاستخبارات لم ترجعهم عن رأيهم وما أحلمك يا رسول الله بعث إليهم بعثمان يفاوضهم وطالت المباحثات وساور النبي وأصحابه القلق فألهم الرسول أن يدعوا صحابته إلى البيعة وألا يفروا حتى لو هلكوا جميعا، فبايعوه بيعة الرضوان التي نزل فيها قول الله تعالى:(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) (الفتح ـ 18)، فكانت هذه أول إشارة من السماء باقتراب الفتح وكان وعد ربنا حقاً لمن يصبرون ويناضلون وشاع أن قريشاً قتلت عثمان فبدا أنه لا مفر من القتال والشهادة بيد أن عثمان لم يلبث أن عاد إليهم برسالة قريش والتي مؤداها أن لو حججتم هذا العام بعددكم الكبير لأحرجنا أمام العرب أجمعين واعتبرونا قد انهزمنا أمامكم وبالتالي تتضعضع مكانتنا فحفاظاً على هيبتنا فقد قررنا بإصرار ألا تحجوا هذا العام وإلا فهي الحرب إذا شئتموها وفي الأشهر الحرم.
واستؤنفت المباحثات وكان محلها الحديبية وكان موقفها متأزما فقد كانت مباحثات الحديبية أكثر إيلاما لمشاعر المسلمين ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي يعرف ما يريد وأوحى إليه ربه ما أوحى، تحمل الكثير من مندوب قريش ومفوضها في المباحثات سهيل بن عمرو وكان على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقنع أصحابه ويطيب خاطرهم الذي انكسر مرتين مرة بمنعهم من دخول مكة بالتلبية حجاجا ومرة بهذه المفاوضات المضنية مع طاغوت قريش حتى أن عمر بن الخطاب ثار وساءل أبا بكر أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(يا عمر أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني) وتم الاتفاق على ما سمي بـ عهد الحديبية وكانت الوقاحة القرشية كالهم الثقيل من أول حرف في هذا العهد بيد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا ينهم فصلح الحديبية هدنة بين الطرفين عشر سنين فترة راحة من الحرب مع قريش ليتفرغ النبي (صلى الله عليه وسلم) للدعوة رجع النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون إلى المدينة وقد شق عليهم خيبة أملهم في الحج على مضض وكان الكثير يحاول فهم الحكمة من تعاقد النبي (صلى الله عليه وسلم) مع قريش في الحديبية
لكن الله تعالى كان أرحم برسوله وبالمؤمنين وشاء الله تعالى أن يطمئنهم ويشفي غليلهم في هذه المحنة ففي الطريق بين مكة والمدينة وفي الوقت الذي اختاره الله نزل الوحي على النبي (صلى الله عليه وسلم) بسورة (الفتح):(إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزاً) (الفتح 1 ـ 3)، وكانت سورة الفتح هي الإشارة التالية والحاسمة لفتح مكة كما باركت السورة الحكمة السياسية في عهد الحديبية فإن عهدها على ما في ظاهره هو بداية فتح الطريق إلى الحدث العظيم إلى الفتح المبين ولو بعد حين وهو ما حدث بالفعل بل أن عهد الحديبية طمأن المسلمين وانتشر الإسلام انتشاراً سريعاً واسعاً فاق التصور لكن المسلمين لم يركنوا إلى هدوء استمروا في الدعوة إلى الله تعالى والمعاهدات والغزوات وبالنسبة لقريش لم تحترم عهد الحديبية فبعد عمرة القضاء في العام التالي فجعت قريش بإسلام فارسها المغوار خالد بن الوليد ومن بعده عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة حارس الكعبة وأخذت تتخلخل قطعة بعد قطعة بغير حرب وينضم عدد من أشرافها وفرسانها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فيزيدونه قوة على قوته ولم يكن عداء اليهود المتربصين في أطراف المدينة المنورة أقل من عداء قريش للدعوة المحمدية بل أشد وكما عاهد اليهود محمداً (صلى الله عليه وسلم) ونقضوا عهدهم كدأبهم وجزاء وفاقا فقد لاحقتهم الهزيمة منذ عزوة بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير ثم أخيراً في خيبر حيث قضى على نفوذهم تماما فمنهم من دخل في الإسلام ومنهم من رحل.
وفي السنة الثامنة للهجرة نقضت قريش هي الأخرى عهد الحديبية بالاعتداء المسلح وبالذبح الغادر فبات النبي (صلى الله عليه وسلم) في حل مما قد يقدم عليه في غده والفرصة مواتية وتأهب النبي (صلى الله عليه وسلم) لفتح مكة ونصرت يا رسول الله يا ابن عبد الله فقد جاء نصر الله والفتح المبين ويعد هذا الفتح هو الفتح الأكبر والأعظم في تاريخ الإسلام .. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى