الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. العفو والصفح والتسامح

من صفات المتقين .. العفو والصفح والتسامح

أيها القراء الكرام: في مقال سابق ذكرت لكم الحديث عن العفو والصفح .. وكيف حث الإسلام على انه من صفات المتقين الأبرار .. ونستكمل الحديث اليوم بثمرات وفوائد العفو والصفح لكي نتحلى بهذه الصفة الكريمة التي هي من صفات الله بل إن من أسمائه الحسنى (العفو) ومن هذه الثمرات والفوائد ما يلي:
إن مكانة المؤمن أعزّ وأسمى مِن أن يتساوى في الظاهر مع ظالمه بل يعفو ويصفح، ويتجاوز ويتسامح، ويقابل الإساءة بالإحسان، لعلمه أن العفو خير فوائده عظيمة، ونتائجه جليلة.
بالعفو تنال العزة والشرف:
فلا تظن أيها القارئ الكريم أن العفو يَنِمّ عن ضعف وعجز وهوان، وإنما هو عزة وانتصار على النفس ووساوس الشيطان، فقد أخرج الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه:(أَنَّ رَجُلاَ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً).
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم):(ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله) ـ أخرجه مسلم، وقيل لأبي الدرداء: من أعز الناس؟ فقال:(الذين يعفون إذا قدروا فاعفوا يعزكم الله تعالى).
حسن العاقبة: فالعفو أقربُ للتقوى، والصَّفح أكرمُ في العُقبى، والتجاوُز أحسنُ في الذِّكرى قال تعالى:(وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى).
العفو والصفح تنقلب العداوة إلى صداقة: إخوتي الكرام: إنّ مجتمع المؤمنين لا ينبغي أن تقوم فيه المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات، والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة، وإنما ينبغي أن تقوم فيه المعاملة بين الأفراد على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الشرع، وحثّ عليه رب العالمين فقال:(ولاتسـتوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)(فصلت)، أي: إذا أحسنتَ إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك، والحنوّ عليك، حتى يصير كأنه وليّ لك، حميم أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك.
فشتان شتان بين الحسنة والسيئة، وبين الخير والشر، وبين العفو والانتقام؛ فإن السيئة إذا قوبلت دائما بالسيئة أوغرت الصدور، وأورثت الأحقاد، وأنبتت الضغائن. أما إذا قوبلت السيئة بالحسنة أطفأت أوار الغضب، وهدّأت من فورة النفس، وغسَلت أدران الضغينة، فإذا المتعاديان يُصبحان صديقين حميمين متناصرين متآزرين، بكلمة طيبة، وبسمة حانية، بالتجاوز عن كل ما سلف وكان.
فبالعفو والصفح تنقلب العداوة إلى صداقة، ويتحول ألدّ الأعداء إلى وليّ حميم، وإلى صديق مُحِبّ؛ وهل تعلمون سببَ إسلام ثمامة بن أثال سيّد بني حنيفة؟ أسلم لمّا أحسن إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعفا عنه، بعد ما وقع في قبضة المسلمين، وقد كان شديد العداوة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولمن معه من المؤمنين، ففي الصحيحين عن أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ ما بين الحجاز والعراق من أرض العرب، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ فَانْطَلَقَ إِلَى نَخلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَلاَ وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
العفو يؤثر في القلوب القاسية، فيجعل المسيء نادماً متأسفاً على سوء فعله وتصرفه، فهذا عليّ بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ كلمه رجل فافترى عليه، فقال: (إن كنا كما قلت فنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفر الله لك)، فقام إليه الرجل فقبل رأسه، وقال: جُعِلتُ فِداك، ليس كما قلتُ أنا، فاغفر لي. قال: غفر الله لك.
ولمّا سَبّ رجلٌ عبدَ الله ابنَ عباس ـ رضي الله عنهما ـ ما ردّ عليه ولا أجابه، بل قال رضي الله عنه لمولاه عِكرمة: يا عِكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكّس الرجل رأسه واستحيَا.
بالعفو عمن أساء يُنال العفوُ من الله سبحانه: فالجزاء من جنس العمل، فمن عفا عَفا الله عنه، ومن صفحَ صفح الله عنه، ومن غفرَ غفر الله له، ومَن عامل العباد بما ينفعهم ولا يضرّهم، نال محبة الله ومحبة عباده قال تعالى:(إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً) (النساء)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم):(من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة) ـ أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وأخرج الإمام أحمد والبيهقي عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ:(ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ، وَيْلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
العفو والصفح تغفر الذنوب: وما أحوج العبدَ إلى مغفرة من الله الغفور الرحيم؛ يقول ربنا سبحانه:(وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)(التغابن).
وعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(مَا مِنْ رَجُلٍ يُجْرَحُ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَة فيَتَصَدَّقُ بِهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ مِثلَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ) ـ أخرجه الإمام أحمد.
دخل رجل على عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه، ويقع فيه، فقال له عمر:(إنّك أن تلقى الله ومظلمتك كما هي، خيرٌ لك مِن أن تلقاه وقد اقتصصتها).
فاحرصوا أيها القراء رحمكم الله على العفو عمن أذنب، والصفح على من أساء، فإن لذة العفو أطيب من لذة التشفّي لأن لذة العفو يلحقها السرور وحَمْدُ العاقبة، ولذة التشفي يلحقها الندَمُ وذمّ العاقبة.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى