الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسلوب القرآن المكي (5)

أسلوب القرآن المكي (5)

كما إن للقرآن المكي ضوابط وقواعد, له خصائص متميوة في إسلوبه وموضوعه, فإليك يا عزيزي القاري ذكر طرفاً من تلك الخصائص:
1 ـ أساليب التأكيدية من قسم وضرب أمثال ومن تشبيه وتكرار للجمل والكلمات, وذلك لأن أهل مكة بحاجة إلى أنواع التأكيدات الكلام حيث إنهم منكرون ‏للقرآن بينما المؤمنون في المدينة قد تمكن الإيمان ورسخ في قلوبهم فلا ‏حاجة إذاً إلى تأكيد الكلام لهم.
2 ـ الحجاج بأبرز إسلوب وأنصعه وبأقوى برهانه وأسطعه لا يختلف عليه اثنان ولا يفنيه أو يبليه الحدثان يدركه الإنسان ببديهته ويقره بفطرته ويطمئن إليه قلبه ويهتدي إليه عقله.
3 ـ إسلوب الزجر بـ (كلا) وهي نافية تقابل كلمة (أجل) المُثبِتَة, وإسلوب (كلا) يتناسَب مع جبابرة مكة الذين اضطهدوا ‏المسلمين أشد الاضطهاد وقاوموا الدين أشد مقاومة,وتفيد الزجر إن تقدمها كلام منكر وتعني حقاً في غير هذا الشرط, فمثال الأول: قوله تعالى:(قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين ((الشعراء61 ـ 62), ومثال الثاني:(وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ، كَلَّا وَالْقَمَرِ)(المدثر 31 ـ 32)
4 ـ قصر الآيات والجمل والكلمات الجزلة مع ظهور الايقاع الموسيقي المتجانس فيها وهو الذي يتناسب مع مشركي مكة لتعطي أقوى أثرٍ في الزجر وفي التخويف والترهيب وفي المحاجة وليجذبهم ذلك ويخاطب قلوبهم ولأنهم أبلغ بلغاء العرب يفهمون الكلام وفصاحته وجودته من شرف وهم الذين مدحوا القرآن وعلموا بقيمته ورفعته وإنه من عند الله الواحد الأحد لكن نرى أن كثيراً منهم اتبعوا أهواءهم, وقد أسلم بعضهم كجبير بن مطعم قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، قَالَ جُبَيْرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَلَمَّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور ـ 35) إِلَى قَوْلِهِ:(فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (الطور ـ 38) كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ.
5 ـ التجسيد للأشياء الجامدة وخلع عليها لباس الحركة والحياة تقريباً للمعنى أمام المخاطَبين كتكلم الأرض والسماء والأمر لهما كما في قصة سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ وكتكلم الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة وإن كل شيء يسبح بحمده.
6 ـ أهم موضوعه العقيدة لأن المؤمنين الجدد لا بد من تخلية كل ما علق بنفوسهم من الشرك فالتخلية قبل التحلية، كما قال الله تعالى:(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)(البقرة ـ 256) فلا بد من تبيان حقيقة الدين مع ما يشمله من أصول العبادات لهم أولاً ثم التدرج إلى التشريعات وهذا من باب تقديم الأهم على المهم وتقتضيه الحكمة في التدرج، كما إن الجدال العظيم مع جبابرة مكة إنما كان حول العقيدة وحتى أفعالهم الشنيعة من وأد البنات والتخميس في الحج والتصفيق والتصفير في صلاتهم عند الكعبة إنما نشأ من عقائدهم الفاسدة فكان لا بد في معرض دعوتهم من بيان بطلاق عقائد الشرك و تقرير عقيدة الله الواحد الأحد وهو التي تقر به نفوسهم ولو انكروه ظاهراً تبعاً للهوى ولإضلالات الشياطين لهم، ومنه نرى أن كل السور المبتدئة بـ (الحمد لله) هي مكية لأن الحمد يعني اتصاف الله بصفات الكمال والجلال وهي من العقيدة, بينما لا كمال ولا استحقاق شكر للمعبودات الأخرى، ومنه نرى تحدي الأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضر صنعها الإنسان الضال ثم عبدها فأي عقل يبيح هذا, وتحدي المشركين الذين تكبروا على القرآن ودعوته بأن يأتوا بمثله ثم لما عجزوا تحداهم بعشر سور ثم لما عجزوا تحداهم بسورة مثله وعجزوا عن ذلك, ويُستثنى من القرآن المكي ما ورد في سورة البقرة المدنية من تحدي في قوله سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين)(البقرة ـ 23), ومن التحدي افتتاح السور بالحروف المقطعة والسر في ذلك أنها تحمل معنى إعجازياً كبيراً لمشركي مكة الذي بلغوا من البلاغة ذروتها ومن الفصاحة قمتها ومن البيان منتهاه وكأن الله سبحانه يقول لهم هذا القرآن يتكون من نفس الحروف التي تنتطقون بها فإن استطعتم محلكاته ومجاراته فأفعلوا, فلمّا لم يستطيعوا ذلك ثبت لهم صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وما جاء به من عند ربه سبحانه وتعالى، ومنه نرى فيه ذكر مبدأ الإنسان وإن أصله من آدم الذي خُلِق من تراب لذك نرى غالب السور الوارد فيها قصة آدم وإبليس هي مكية ولعل السر في ذلك إلى ابراز وحدة العنصر البشري فنحن نعلم أن أهل مكة استعبدوا بعض الناس وكلفوهم بالمشاق الثقال دون أن يراعوا انسانيتهم, وكذا بيان إن الإنسان من طين إشارة إلى وضاعته فيجب أن لا يتعالى على الله ,وكذا بيان تكريم الله له حيث أسجد له ملائكته له تميّز به من عقل وروح عالية ورزانة وسطية بين الهوى النفسي وبين العقل المجرد الخالي من الهوى ,وكذا بيان إن إبليس هو الذي أغواهم وما يزال كما أخرج أبينا آدم وحواء من الجنة وإن هدفه إدخال العنصر البشري بقدر ما يستطيع إلى نار جهنم بمعصية الله, فيجب أن يتخذ الإنسان عدوه الشيطان عدواً حقيقيا وفعلياً له, من إسلوب القرآن المكي الإشارة إلى صفات الله الذاتية والفعلية وإلى بعض المخلوقات الكونية كالسماء والأرض والعرش والجبال والبحار وإلى بعض الحيوانات كالفيل والإبل والذباب والعنكبوت وكل ذلك للاستدلال على صفات الله ووحدانيته.
7 ـ ومن مواضيع القرآن المكي هو أصول العبادات والمعاملات وهي مجملات الصلاة والزكاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحريم الزنا وقتل النفس باطلاً و هو من باب البدء بالشيء شيئاً فشيئاً فيبتدأ بذكر المجمل ثم بالتفصيل نحو ذلك.
8 ـ كذلك فيه ذكر أصول الأخلاق والقواعد الاجتماعية كالصدق والبر وصلة الأرحام وبر الوالدين وطهارة القلب من الأحقاد وسلامة اللسان من الكذب والفتنة والغيبة وأكل مال اليتيم كما هو ملاحظ في سورة الأسراء المكية.
9 ـ إيراد قصص الأقوام السابقين وأخبارهم‎ ‎وموقفهم تجاه الله والرسل والدين وذلك ‏تثبيتاً وتسلية النبي (صلى الله عليه وسلم) والذين معه لما لاقوه من جبابرة ‏مكة من أذى كبيراً في إن ما حدث من اضطهاد للذين آمنوا قبلهم كان أشد مما حصل لهم وإن من آمن من الأقوام السابقين كانوا قلة قليلة بينما أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ففيها البركة والنماء.
.. للموضوع بقية.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى