الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب النحوية في آيات فتح مكة ودلالاتها البلاغية (2 ـ 2)

الأساليب النحوية في آيات فتح مكة ودلالاتها البلاغية (2 ـ 2)

والمقرَّرات الشرعية والثوابت العقدية يعبَّر عنها في كتاب الله الكريم بالجملة الاسمية لأنها أشرف من الفعلية لثبوتها واستمراريتها، وأنت ترى كلَّ كلمات السورة تنضح نوراً، وتشعُّ فرحاً وسروراً، وأن اسمها يشعُّ على كلماتها، ويُحدث ترابطًا عجيباً، وتواصلاً متيناً، حيث عمَّ النور والفتح مكة أمَّ القرى، ومن حولها، من ربوع الجزيرة العربية، عمَّ نور هذا الفتح، وبزوغ فجره، وضياء شمسه، وصار به الإسلامُ ظاهراً على الدين كلِّه، وهذا كله في نهاية وغاية الظهور بما نطق به أول الآيات، وأثناءها وخواتيمها، فنقرأ:(لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ..) إلى أن قال:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) فندرك أن كل مقاطع السورة يتخللها الفتحُ: إما لفظاً، وإما معنى, والسورة تتحدث عن فوائد وثمار وخصائص الفتح أو نتاجئه التي كانت عامة وشاملة وسابغة الجميع, وأن الرؤيا التي رآها الرسول قد حققها الله، وصَدَقَه فيها:(لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ..) فكأنه عبارة عن موضوع متكامل بعناصره كلها، وأركانه الأساسية من: مقدمة (ديباجة وتقديم للموضوع)، ثم الموضوع نفسه، ثم الخاتمة, فهو تخطيط حقيقي واضح ومحدد, يفيد منه الباحثون والأكاديميون في التنظير العلمي، ووضع أسس كتابة البحوث العلمية الأكاديمية المترابطة، والمتناغمة في فصولها، وأبوابها، وقضاياها، وفي كل قضية تفاصيلها.
فالمقدمة توضح الخطوط الرئيسية للفتح وأسبابه, ثم يتدرج القرآن الكريم في عرض الموضوع بشكل مفصل، لا يتداخل فيه جزء على جزء، ولا شيء تأخر حصولُه عن شيء تقدم زمنه, ويأخذ كل مقطعٍ في السورة الكريمة مكانه الحقيقي , وتبدو السورة بكلماتها وتراكيبها وأساليبها محبوكة حبكة قوية، متينة، لا يمكنك تقديم جزء فيها على جزء آخر أبداً، ثم تأتي الخاتمة، وما تضمنها من آثار، ونتائج ليست فقط على مستوى مكة، ومن فيها، وإنما كذلك على مستوى الكون كله، وما ناله من فتح، وانتشار لنور الإسلام:(ليظهره على الدين كله), وتحولت الحياة كلها إلى حياة ملؤها الطهر والعفاف، والعدل والإنصاف بظهور الإسلام ديناً خاتماً، حاكماً، مهيمناً، ضابطاً لحركة الحياة، وسلوك الأحياء، فهو فتح لمكة، لكنه تلته فتوحاتٌ كثيرة أنار فيها الإسلام، والمسلمون جنبات الأرض، حيث بدأ الفتح يتسع ليشمل قارات كثيرة، ودخل أصقاع الأرض، وأضاء جوانبها، فـ (أل) في الفتح إما أنها عهدية، مقصوداً بها الفتح المعروف، وإما جنسية يُقصَد بها كلُّ فتح من فتوحات الأسلام, ثم علَّل القرأن (وأحكامها معللة) قائلاً:(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وهو كناية عن المحبة التامة، والمكانة السامية للرسول الكريم, وبين قوله:(ما تقدم وما تأخر) مقابلة، شاملة لكل حياة الرسول العظيم (صلى الله عليه وسلم)، والفاعل هو (الله), والخير على قدر صاحبه، وقدرة معطيه, وكل السورة امتنان لشخصه الشريف وبيان مدى قدره وشرفه ومنزلته عند ربه, ثم يقول سبحانه:(ويتم نعمته عليك)، والإتمام فوق الإكمال لأنه يكون شاملاً تاماً، والله هو الممتنُّ بذلك، وهو المتم النعمة سبحانه، ففيها كناية عن سعة العطاء، وعمق الفضل، وشمول النعمة، وجاء التخصيص بشبه الجملة:(عليك) أي عليك فقط، دون غيرك، وهو كذلك من خصائصه الشريفة، والحرف (على) يفيد العلو الذي يفيد بدوره الشمول التام، وتمكن الفضل وأنه سابغ محيط شامل، ففضل الله عليه سابغ، ونعمته محيطة به من كل جانب، ثم ذكرت الآية فضلاً ثالثًا تقول :(ويهديك صراطاً مستقيماً) تتابع الفضل، وتوالت النعم، وازداد التشريف، ووصف (الصراط) بأنه (مستقيم) يوحي بأنه بصير، يرى، ويعرف سلامة الخُطا، ووضْع القدم على الطريق الذي استوى، واستقام، وفيه كناية عن سلامة السير، وصحة الطريق، واعتدال الخطو، وثبات الفؤاد.
فالصراط وُصِفَ باسم الفاعل:(مستقيم) من الفعل السداسي:(استقام)، ونحن نقول: استقام فلان على الطريق، أي: استمر، وثبَّت قدميه فيه، وما عاد يضطرب، ولو تأملناها لوجدنا فيها مجازاً عقلياً، علاقته المكانية، فالطريق مكان، ونُسِبَتْ إليه الاستقامةُ، فكأنه واع حصيف، بصير، دقيق النظر، متمكن من صحة السير، وسلامة الخطو، وصحة التوجه، وخلاص القصد، واليقظة، والوعي التام.
وإذا استعرضت موضوعات السورة تراها تكمن في بيان امتنان الله على الرسول الكريم، وإبراز مكانته، وإظهار فضله، ووضوح منزلته، ونشر لآثار صلح الحديبية على المسلمين، ووقعه على المشركين، وبيان مهمة الرسول وصحبه، وعلاقتهم به (صلى الله عليه وسلم)، والحديث عن بيعة الرضوان:(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)، وعن أحوال مَنْ تخلفوا عن صلح الحديبية، وهذا الثناء الكريم على أهل بيعة الرضوان، وتحقيق رؤيا الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد جاء كل ذلك بأسلوب لغوى قشيب، تخلله التوكيد، والاستعارات، والمجازات، وأسلوب التعليل، وأسلوب العطف، والمفعولات المطلقة، وأفعال الاستمرار التي تمثلت في اختيار الأفعال المضارعة:(يغفر ـ يتم ـ يهديك)، لبيان سعة واستمرار فضل الله عليه، وعلى أمته.
اللهم تقبل منا وارزقنا النور والفتح في كل أعمالنا وأحوالنا واجعلنا مفاتيح خير، مغاليق شر واجعل حياتنا كلنا فتحا مبينا يا رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى