الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (17)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (17)

انتهى بنا الكلام حول مقامات معارف القرآن الكريم، وقلنا ان هناك مقامات قد بذلت لعامة الناس لتفهمها، الا انه هناك مقامات لا يتسنى لاحد فهمها واستعابها الا من خلال تعليم النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، وقد بيّنا ان القرآن الكريم قد وضح هذه المقامات في بيانية القران ، وفي تبيانته.
واليوم نكمل الموضوع ان شاء الله تعالى، فنقول: لما ان يفرق القرآن الكريم بين المقامين البياني والتبياني، فهنا يرد تساؤل في مقام البياني، وهو الذي جاء ذكره في الاية المباركة : )هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(، والتساؤل هو: اهل يعني من كون القرآن الكريم مبذول الفهم لعامة الناس من دون الحاجة الى الرجوع الى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، ان انه لابد في هذا المقام ايضا ضرورة الرجوع اليه صلى الله عليه وآله؟! الجواب: انه لا شك توجد مضامين قرانية تخاطب الناس، وتود منهم التفكر في الايات والسور، وتحثهم على تدبر اياته وسوره، وهذا يعني ان هذه المضامين قابلة للفهم من قبل عامة الناس، ولكن نود ان نشير هنا الى امرين مهمين، وهما:
الأمر الاول: ان هناك فهماً عرفياً تعارف عليه الناس في الكلام، وفي تخاطباتهم، وهنا نجد القرآن الكريم لم يتعدى هذه التعارفات الخاطابية، بل مشى عليها، وبه احتج وخاطب وامر ونهى وارشد ووجه وعلم .. الخ من التعارفات الخطابية.
الامر الثاني: هناك في القرآن الكريم ما يمكن ان نفصله عن الخطاب العرفي الى ما يمكن ان نعبر عنه بمراد المتكلم، ففي هذه الحالة الوضع سوف يختلف، فان التخاطبات العرفية ليس بالضرورة ان تعرف مراد المتكلم ما لم يفصح المتكلم عن مراده الجدي، ومن هنا نجد القرآن الكريم اكد على مثل هذه الحقيقة في فهم اياته وسوره المباركة، وهي ضرورة الفصل بين المعنى اللغوي الذ فيه المعنى العرفي الدارج وبين المعنى الاصطلاحي الذي فيه تعبير وكشف عن مراد المتكلم.
ولنأخذ على هذا مثالاً، وليكن مثال الصلاة: فاننا نجد لمعنى الصلاة في العرف اللغوي الدارج هو الدعاء، فكل ما هو دعاء فهو صلاة لغة، واما المعنى الشرعي للصلاة فهو عبارة عن افعال مخصوصة قد اقترنت بها اذكار معينة.
فهنا نجد ان معنى الصلاة قد اختلف من الفهم اللغوي عن الفهم الشرعي، فلو ترك المجال للفهم اللغوي ان يأخذ مجراه في فهم الآيات القرانية لقادنا بعيداً عن الشريعة المقدسة ومرادها، فكان لابد من الرجوع في فهم الكثير المصطلحات الى الشرع نفسه، كي نعرف مراده.
ومن هنا قد تطرق اعلام الفقه والاصول الى مسألة من المسائل المهمة وهي: ان التبادر علامة الحقيقة، وهم يعنون بذلك .. لما ان يذكر المرء مفهوماً ما، فان الذهن البشري قد يجد له عدة معانٍ فيه، الا ان هناك معنى قد تبادر مسرعاً الى الذهن دون غيره من المعاني، فقالوا ان المعنى الذي تبادر الى الذهن فور سماعه لللفظ دليل على ان كون المعنى موضوع حقيقة لهذه اللفظ، واما المعاني الاخرى فتكون مجازية.
الا انهم في مقام الاصطلاح، وما عليه مراد المتكلم قد وجدوا ان التبادر غير كاف في المقام بل لابد من فهم مراد المتكلم اولا، ومن هنا قالوا: لو سمعنا من الشرع المقدس كلمة الصلاة من دون قيد فان التبادر اللغوي غير كاف في صرف اللفظ الى الدعاء، بل لابد من الرجوع الى الشرع نفسه واستكشاف مراده، فلما ان نعرف مراده من لفظ الصلاة ففي هذه الحالة يكون التبادر الاصطلاحي هو حقيقة معنى اللفظ لا المعنى اللغوي، وحينها يتحول المعنى اللغوي الى المجاز.
وهذا الامر الثاني يفتح لنا باباً مهماً وهو: من الذي يملك القدر على تبيين الفرق بين المراد العرفي وبين المراد الشرعي من اللفظ، اهل يتمكن الانسان لوحده ان يقف على الفروقات بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الاصطلاحي؟، والجواب: ان البديهيات الواضحة ان عامة الناس لا يتمكنون من التفريق بين المرادين، بل لابد من الرجوع الى اهل القرآن الكريم والى من خوطب به وهو : النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، فهو العارف لمعنى الاصطلاحات القرانية ، فمن خلاله صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين نتمكن من التفريق بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي، وهذا يعني اننا لا نتمكن من الاستقلال عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين في فهم الكثير من الايات المباركة والتي فيها ذكر الفاظ لها دلالات خاصة، والتي يصطلح عليها بالدلالات الشرعية، وبالاصطلاح الشرعي تمييزا له عن المعنى اللغوي.
ومع الرجوع الى القرآن الكريم وما عليه من شرعية من قبل الشرع المقدس سنجده في جميع عباداته يختلف عن المعنى اللغوي تماما، فالحج الصوم والزكاة كلها تتقوم بكيفية خاصة، وهذه الكيفية قد ميزتها عن سائر المعاني اللغوية التي قد يفهم منها معنى آخر، الامر الذي ادى ببعض الاصوليين يصطلحون على العبادات الشرعية بالحقيقة الشرعية، ومعناه ان الشرع هو الذي حدد لها كيفية خاصة اختلفت عن سائر الكيفيات التي قد تفهم من خلال اللغة، ما اعطى للفظ الصادر من الشريعة المقدسة بعدا جديدا، وهذا بنفسه يجعل المرء يرجع الى النبي الاكرم صلى الله عليه واله واصحابه المنتجبين في فهم الفردات القرانية ومفاهيمه، ومعرفة مراده الحقيقي الذي يفترق فيه عن المراد اللغوي.
اذا نستخلص في هذه الحلقة مع قرنها بالحلقة السابقة بان دور النبي صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين غير مختص ببيان المعارف الغيبية التي لا يصل اليها ذهن البشر، بل تشمل حتى المعارف الشرعية التي تتداول في العرف الاجتماعي الاسلامي، وبتعبير آخر: فان مقام التبيان القرآني بيان لما عليه شخصيته ـ عليه افضل الصلاة والسلام ـ من معرفته صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين لمعارف الوجود كلها، وهو يشمل ايضا للمعاني الشرعية الذي وضعها الشرع المقدس من خلال الالفاظ الدارجة عرفاً، الا ان الشرع المقدس وضع لها معانٍ اخرى وان تشابهت نحواً ما، وهذه المهمة وهي تبيين هذه الحقائق الشرعية قد انطيت ايضا بمهمة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، وهذا ما يفسر ما ورد عنه صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين:(صلوا كما رايتموني اصلي)، فان لفظ الصلاة احتاج الى بيان، وهذا البيان تمثل من قبله صلى الله عليه وآله واصحابه المتجبين من خلال التعليم اللفظي وايضا من خلال التعليم العملي، قال تعالى:(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
.. وللحلقة تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى