الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (20)

(نفحة رمضانية مباركة) (20)

أيها الصائمون والصائمات: قال الله تعالى:(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ..) (الأنبياء 1 ـ 3)، وقال تعالى:(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (مريم ـ 39).
كفى بالقرآن شاهداً على حال العباد, حقاً والله الناس في غفلة وأي غفلة, أنا أتساءل أين الناس؟ أين الناس من المساجد؟ أين الشباب من تعلم العلم والقرآن؟ أين المسلمون من التضرع إلى الله ليكشف كربة الأمة؟ أين الفرار إلى الله؟ “ففروا إلى الله ..” الآن صار الناس يفرون من الله؟ بل إن بعض الناس ممن ينتسب إلى هذه الأمة لا يريد أن يحكم بشرع الله, ويعلنها صريحة؟! لماذا؟ وماالسبب؟ إنها الغفلة التي طمست العقول وأفسدت القلوب, الغفلة عن اللجوء إلى الله .. الغفلة عن التوبة .. الغفلة عن الطاعة .. الغفلة عن ذكر الله, الغفلة عن رد المظالم.
فأحذّر نفسي وإخواني من هذا المرض الخطير والداء المخوف الذي لو تمادى فيه الإنسان أورثه ندامة لا تنقطع وحسرة لا آخر لها إلا من تولاه الله برحمته وأيقظه من هذا المرض الخطير.
يقول الحافظ ابن رجب: اعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي .. وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت ويئس من الحياة أفاق من سكرته في شهوات الدنيا؛ فندم على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب وليعمل صالحاً فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه مع سكرات الموت حسرات الفوت (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)، أحد الذين حضرتهم المنية وبلغت به الروح الحلقوم، أخذ يلطم وجهه ويقول:(يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)، وقال آخر عند احتضاره: سخرت بي الدنيا حتى ذهب بأيامي، وقال آخر عند موته: لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني.
إياك أخي المسلم والغفلة فإنها أيام تنقضي وغداً تلقى ربك, فاغتنم ولا تنم، ولا تغفل عن الإحسان فيها: فما تدري السكون متى يكون، فما هي الغفلة وما حقيقتها؟
تعريف الغفلة، الغفلة هي: سهو يعتري الإنسان من قلّة التّحفّظ والتّيقّظ، وأما حقيقتها: الانغماس في الدنيا وشهواتها ونسيان الآخرة بحيث يصير الإنسان له قلب لا يفقه به وله عين لا يرى بها وله أذن لا يسمع بها, قال تعالى:(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، فيجتهد في تعمير الدنيا الفانية ويعرض عن الآخرة الباقية, فيكره لقاء الله واليوم الآخر لأنه لم يقدم لنفسه شيئاً, فيخاف أن ينتقل من العمران إلى الخراب، فتراه منغمساً في نِعَم الله التي لا تعد ولا تحصى وينسى شكر المنعم، يجتهد في جمع المال من حله وحرامه, ويملأ بطنه بالحرام ولا يبالي، يتلذذ بالذنوب والمعاصي وينسى أن يطرق باب التوبة، يحيد عن الحق ويتكبر عن قبوله, ويتبع طريق الضلال, ولا يتأثر بالآيات الشرعية والكونية، اسمع ماذا قال ربك عن هذا الصنف من الناس (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، هل تأملت أخي المسلم هذه الآية .. لذلك نحن معاشر المسلمين نقول في دعائنا: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، نقول: اهدنا الصراط المستقيم.
كيفية معرفة الغافل: أيها الأحبة إن كثيراً من الغافلين لا يعلمون أنهم في غفلة، وإذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا، فانظر كما قال ابن مسعود:(ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي)، إن كنت تمر عليك الأيام والليالي لا تتحسر على فواتها لأنها مضت في غير طاعة أو لم تتزود منها كما ينبغي فاعلم أنك غافل، إذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا فانظر اهتمامك بوقتك، فانظر عنايتك بالوقت إن كنت تقتله سدى، تضيعه هباءً، لا تبالي بما أدبر وأقبل منه فأنت غافل مسكين، وهنا سؤال مهم: ما هي الأسباب التي تورث الغفلة لكي نجتنبها؟.
أسباب الغفلة، أولاً: طول الأمل فطول الأمل من تزيين الشيطان وسلطانه على قلوب الغافلين فلا آفة أعظم منه، بل لولاه ما وقع إهمال أصلاً، وإنما تفتر الهمم، ويسود العجز والكسل، ويقدم العبد على المعاصي، ويبادر إلى الشهوات، ويغفل عن الإنابة بسبب طول أمله، فما الذي منع العاصي من التوبة وجعله يسوف فيها إلا طول الأمل؟ وما الذي جعل المقصر في الطاعة يتقاعس عنها إلا طول الأمل؟ وما الذي جعل الظالم يتمادى في ظلمه ولا يرد المظالم إلى أهلها إلا طول الأمل؟ فهؤلاء نظروا إلى الموت كأنه شيء بعيد جداً لذلك وقعوا فيما وقعوا قال الله تعالى:(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا) إنه طول الأمل تلك الآفة الخطيرة التي حذرنا منها القرآن,قال تعالى:(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون) وقد توعد الله عز وجل هؤلاء الغافلين فقال تعالى:(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
واسمع ماذا قال سلفنا في التحذير من طول الأمل, قال علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه:(إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق)، وعن الحسن قال:(ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل)، وقال الفضيل:(إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل)، وقال بعض الحكماء:(الجاهل يعتمد على الأمل، والعاقل يعتمد على العمل)، وقال الحارث المحاسبي: طول الأمل ينسي الْآخِرَة وَيذكر الدُّنْيَا ويحسنها ويحببهما إليك وَيُورث الْحَسَد والتسويف وَيُقَوِّي الْهوى وَيكثر الشَّهَوَات، ويقول أبو حامد الغزالي: اعلم أنه إذا طال الأمل هاج منه أشياء: ترك الطاعة، والكسل فيها، وترك التوبة وتسويفها، والحرص على الجمع والاشتغال بالدنيا، وقسوة القلب ونسيان الآخرة.ومن كلام الحكماء:(إيّاكم وطول الأمل فإنّ من ألهاه أمله أخزاه عمله)، وجاء في الأثر:(أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا)، وقال ابن القيم: (مفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل).
فيا ناصحاً لنفسه أَقْصِرِ الأملَ! واستعد للحساب قبل حلول الأجل؛ فإن ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أمانٍ، والوقت ضائع بينهما؛ فإن لم تستطع ذلك فاعمل عملَ قصير الأمل فإن سعادتك في ذلك، ودع عنك التسويف؛ فإنه من أعوان إبليس، يقول الحسن:(إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غداً لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم).
وقيل: من قصر أمله قل همه وتنور قلبه لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة .. فمن قصر أمله ورأى سرعة انقضاء أجله، كان ذلك أدعى لأن يصبر على فعل الطاعات، فلا يصرف أوقاته إلا فيما ينفعه في آخرته.وكان آخر يقول: والله ما نمت نومة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها أبداً.
ولقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لـابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فكان ابن عمر يحقق هذا واقعاً ملموساً في حياته فيقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك).
ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)، الآفة الثانية التي تورث الغفلة (حب الدنيا): قال تعالى مخبراً عن أهل الغفلة:(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).
فمعرفة أمور الدنيا وعلومها هو أمر محمود، ولكن الاكتفاء به والإكثار منه بحيث يؤدي ذلك إلى الغفلة عن الآخرة هو المذموم.
قال ابن كثير:(أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة)، قال ابن عباس وعكرمة وقتادة رحمهم الله ورضي عنهم:(يعرفون أمر معيشتهم ودنياهم، متى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبيتون).
قال الحسن البصري: واللَّه ليبلغ من علم أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي.
فحب الدنيا والركون إليها رأس كل خطيئة, فإذا تمكنت الدنيا من قلب العبد أفسدت عليه آخرته,ولا يجتمعان في قلب عبد:حب الدنيا والعمل للآخرة.

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى