الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (103)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله ، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـإن أي دولة تخـطـط بـرامجها التـربـوية، عـلى غـير قـيـمها الأخـلاقـية وعـلى غـير مكـتسباتها الـتراثـية والحضاريـة، وعـلى غــير عـاداتها وتقـاليـدها ومتـطـلباتها، واسـتـوردت مـناهـج بـعـيـدة عـن بـئتها وقـيمها وأخـلاقـها، فهـي تحـاول إفـساد الشـباب، لأن ما اسـتـوردته مـن مناهـج عـلـمـت سـلبياتها، ومستخـرجـاتها في بئـتها، فكـيف نسـتـوردها نحـن وقـد عـلمـنا نتائجـها الهـدامـة، ألـيس ذلك خـيانـة للأمـانة، وضـياع للـقـيم وهـدم للأخـلاق ، فـلا شـك فـسـوف تـكـون النـتيجـة سـلبية، وليـس لصالح مجـتمعـاتها، وأخـطـر ما تعـانيه كل أمـة أنها تسـتـورد مناهـجـها مـن بـيئة غـير بيئتها، مـن بـيئة غـريبة عقـيـدة وخـلقـا ودينا وسـلـوكا، فـلا شـك سـوف تفـقـد قـيـمهـا وأخـلاقـها وماضـيها المشرق ، فـبـذلك تـخسـر الماضي والحـاضـر والمسـتقـبـل.
ولذلك: فـإن الاسـتـفـادة مـن تجـارب الغــير لـيـس محـظـوراً، وإنـما يجـب أن يســتـفـاد مـن تـلك التـجـارب، ويـقـتبـس مـنها مـن الـفـوائـد الـتي لا تـتعـارض مـع قـيمها ومـقـدساتها وقـيمها وأخـلاقـها ، وأن تـأخـذ الايجـابيات وتـترك السلبيات، تـأخـذ منها ما لا يتـعـارض مـع مـقـوماتـنـا وقـيمـنا ومـوروثـاتنا الحـضارية، فالاسـتـفـادة مـن تـجارب الغــير يـعــتبر مـكـسبا لـنا ، ولـكـن عـليـنا أن نـبـدأ خـطـواتـنا مـن حـيـث انتهى الآخـرون، وبـذلك نـكـون قـد حـقـقـنا ما نصـبـوا إلـيه، واسـتـطـعـنا أن نـكـون جـيـلاً صـالحاً، مـعــداً لحـمـل أمانة التـربية والعـلـم، أمـانة الـدين والخـلـق الـقـويـم.
وإعـداد جـيـل يـدرك ما هـو مـطـلـوب منه، لـبناء حـضارة عـلى غـرار ما بنى أوائـلنا عـليه حـضارتهـم، وتاريخـهـم وتـراثـهـم، ليـس سهـلا فالأجـيال أمـانـة بأيـدي المـربـيـن، فإن وجهـوا الشـباب الـوجـهـة الصالحة، فـقـد أدوا الأمـانـة وربحـوا وربـح الشـباب والمجــتـمـع كله، وإن وجـهـوا الـشباب ـ لا قـدّر الله ـ الـوجـهـة الـغـير الصالحـة ، فـقـد خـانـوا الأمـانـة، فـخـسـروا الـدنـيـا والآخـرة، وخـسر المجـتـمـع كله وذلك هـو الخـسـران المـبـين.
إن الـتقـدم العـلمي الـذي نشـهـده، في جـمـيـع المجـالات، لا بـد أن يـكـون محـاطـا بـسـياج الأخـلاق والقـيـم، لأن الـعـلـم هـو أسـاس الـرقي، وأساس التـقـدم والسـمـو الإنـساني، فإذا تـوفـرت فـيه السـلوكـيات الـروحـية، التي تساعـد عـلى تـرسـيخ الإيـمان بالله في قـلـوب الشـباب، والخـشـية مـن الله وحـده، والاعـتقـاد باليـوم الآخـر، حـينئـذٍ يـكـون التـقـدم العـلـمي آلـة بـناء لـسعـادة البشـريـة لا آلـة هـدم للـقـيم والأخـلاق .. آلـة سـعـادة وإسـعـاد لا آلـة شـقـاء وتخـريـب.

التعـاون عـلى البـر والتقـوى: لـقـد حـثـنا الله تـبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز عـلى البـر والتـقـوى، حـيث قال سـبحانه وتعـالى:(.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الـمـائـدة ـ 2).
ونحـن إذا نظـرنا إلى طـبيـعـة الإنـسان وطـريقـته في الحـياة، رأيـنا أنه مـدني بالطـبـع ـ كما يـقـول عـلـماء الاجـتـماع ـ أي: أنه اجـتـماعي بفـطـرته، ويـصـعـب عـليه أن يعـيـش مـنـفـردا عـن غــيره مـن بني جـنسه، وكـذلك لا يـستـطـيـع أن يـقـوم مـنفـرداً بـكل مـتـطـلـبات الحـياة، ولعـل هـذا هـو السبـب الـذي جـعــل الإنسان يحـاول مـنـذ فـجـر التاريخ البشـري، أن يلجـأ إلى تكـوين منـظـمات متـوالـية، لتحـقـيـق هـذا التـعـاون، فـبـدأ بالأســرة وانتـقـل منها إلى القـبيلة، ثـم إلى الـدولة ثـم اتسـع نـطـاق الـتعـاون بهـا حتى شـمـل منـظـمات أخـرى في العـالـم الـمـترامي الأطـراف.
ولا يسـتغـني أحـد عـن الـتـعـاون مـن بني البشـر مهـما أوتي مـن أسـباب القـوة والتـمـكـيـن ، فـهـذا ذو القـرنيـن رغـم ما مـكـنه الله مـن أسـباب القـوة، وما زوده بـه في الأرض، ومـع ذلك لـم يسـتغـن عـن طـلب معـونة غـيره حـيـنما أراد أن يـقـوم بعـمـل كـبير طـلب المعــونـة.
قال الله تعـالى:(قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (الكهـف 94 ـ 96).
فـطـلب المساعـدة والعـون، وهـذا دلـيـل عـلى أنه لم يسـتغـن أحـد عـن المساعـدة مهما امـتلك مـن أسـباب القـوة، فهـو دائـما محـتاج إلى معـاونـة غــيره له ويعـرض عـلـينا القـرآن الكـريـم صـورة للـتـعـاون، تـتـعـلـق بهـمـة رسـول مـن رسـل الله هـو مـوسى بن عـمـران ـ عـليه السلام، فـعـلى الـرغـم مـن أن الله كـلّم مـوسى تـكلـيـماً، واصـطـفـاه رسـولاً مـن بـين كـثير مـن الناس، فـقال الله تعـالى:(قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعـراف ـ 144).
وإن كان نـظـر كـثير مـن الناس إلى هـذا التـعـاون مـن الناحـية الـمادية فـقـط، عـلى أنه نـظـام اقـتـصادي مادي بحـت لا عـلاقـة له بالقـيـم والأخـلاق، بيـنـما الإسـلام ينـظـر إليـه مـن زاوية هـي أعــمـق وأرقى وأشـمـل، وهـو أن هـذا التـعـاون أصـل مـن أصـول الـدين ومـبـدأ مـن مـبادئـه، وأنـه نـظـام محـكـم مـتـكامـل الأسـس والأركـان، يسـاعـد عـلى الخـير والمحـبة والـمـودة والتآلـف بين الناس جـمـيـعـاً، وأنه خـلـق يـثاب عـليه فـاعـله، وأنه فـضـيلة تـرفـع صاحـبـها إلى درجـة الأخـيار، مـن عـباد الله الصالحـيـن.
ولعـلـو مـكانـة الـتعـاون في الإسـلام (ولأمـر ما ولحـكـمة بالغـة) جـعـل الله عـباده الـمـؤمـنـين يـتـذكـرون عـلى الـدوام، ويـلـتجـئـون إلـيه في كل وقـت وعـلى كـل حـال، ويسألـونه المعــونـة، لأنه سـبحانه وتعـالى هـو القـادر عـلى أن يجـيـب دعـاء مـن دعـاه ويعـطـي مـن سـأل، فـشـرع لهـم أن يـقـولـوا في كل صـلاة:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحـة ـ 4)، أي: لا نـعـبـد إلا أنـت وحـدك يا ربـنا، ولا نسـتعـين في جـمـيـع أمـورنا إلا بــك.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى