الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الساحة الأدبية العربية تواصل تكريم أمل دنقل احتفاء بتراثه الشعري

الساحة الأدبية العربية تواصل تكريم أمل دنقل احتفاء بتراثه الشعري

اجتمع النقاد على عبقرية أشعاره المعبرة عن قضايا العروبة
القاهرة ـ الوطن:
أكد كبار الشعراء والأدباء المحدثون والكتاب في العديد من المحافل والمناسبات الأدبية الراهنة خاصة التي احتضنتها مصر مؤخرا تكريما لأمل دنقل أن هذا الشاعر المصري ترك بصمات واضحة وخالدة على مكنونات الشعر العربي حيث كان الأكثر إنتاجا وتأثيرا وبريقا فهو بطل شعري قومي للعرب.
وكانت طفولته مولدا لبداية إبداعاته من أقصى صعيد مصر في مركز قفط بمحافظة قنا وترك تراثا خصبا من كتابات الشعر عبر رحلة عمر ناهزت 43 سنة تضمنت زواجه بالصحفية عبلة الرويني كمصاهرة بين كتابة الشعر والصحافة كسلطة رابعة فيما كان لوالده عالم الأزهر الشريف أثر في شخصيته وقصائده بشكل واضح.

رحلة الإبداع
كمعظم أهل الصعيد شعر أمل دنقل بصدمة عند مجيئه القاهرة وأثر هذا كثيرا في أشعاره وظهر هذا واضحا في أشعاره الأولى فكان مخالفا لمعظم المدارس الشعرية حيث استوحى قصائده من رموز التراث العربي وقد كان السائد في هذا الوقت التأثر بالميثولوجيا الغربية خاصة اليونانية.
وقد أكدت الشاعرة لطيفة إبراهيم أن تناسق شعره مع العروبة خاصية جوهرية قوامها انتماء الشاعر وجيله إلى التراث العربي في الوقت الذي اعتمد فيه شعراء آخرون على التراث العالمي وهذا يدل على رؤية واعية تركز على كشف تراث الأمة لحل مواقف معاصرة تربطها بالتراث لإيقاظ إحساس العرب.
كما عاصر أمل دنقل عصر أحلام العروبة والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر عام 1967 وعبر عن صدمته في رائعته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” ومجموعته “تعليق على ما حدث”. وشاهد أمل دنقل بعينيه النصر خاصة أن أشعاره كانت تقال في المظاهرات على ألسن الآلاف.
ويقول الشاعر شعبان يوسف إن النقاد وضعوا الشاعر أمل دنقل في تصنيفات عديدة مثل شاعر الرفض وشاعر الاحتجاج والتمرد والثورة والمقاومة في سياقات تبدو من خلال شعره كأنه ارتبط بأحداث سياسية ورفض وتمرد عليها وسعى من أجل تغييرها أو محو آثارها وارتفعت قصائده من حناجر المتظاهرين في كثير من المناسبات.

تعبيرات الشعر
كما عبر أمل دنقل عن مصر وصعيدها وشعبها ونجد هذا واضحا في قصيدته “الجنوبي” في آخر مجموعة شعرية له “أوراق الغرفة 8″ حيث عرف القارئ العربي شعره من خلال ديوانه الأول “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بالانتكاسات وأكد ارتباطه العميق بوعي القارئ ووجدانه.
وقد أشار الأديب والمفكر فخري صالح إلى أن أمل دنقل اتخذ من الشخصيات والوقائع التاريخية التي يستدعيها في شعره أقنعة يتراءى خلفها الإنسان المعاصر المطحون بالأحداث وهو في اعتماده الدائم على تلك الشحنة التاريخية المتقدة التي ينهل منها شخوصه ورؤيته للحاضر المدان يحول أبيات شعره إلى حكايات عن الحاضر من خلال استحضار كثيف للماضي.
وأشار الدكتور صلاح فضل إلى أن دنقل أهم شاعر مصري تجسدت قيمة الحرية في إبداعاته حيث جسد شجونه السياسية التي مازالت حية نابضة في منجزاته الفنية التي جعلت منه نموذجا رفيعا للشعرية.
وحتى مع إصابة أمل دنقل بمرض السرطان ومعاناته منه ثلاث سنوات أخرج هواجس المرض من خلال باكورة أعماله في مجموعته “أوراق الغرفة 8″ وقد عبرت قصيدته “السرير” عن آخر لحظاته ومعاناته مع المرض وهناك أيضاً قصيدته “ضد من” التي تتناول هذا الجانب.
الجدير بالذكر أن آخر قصيدة كتبها دنقل هي “الجنوبي” ولم يستطع المرض أن يوقف دنقل عن الشعر حتى قال الأديب أحمد عبد المعطي حجازي: إنه كان صراعا بين متكافئين هما الموت والشعر.
وقد رحل أمل دنقل عام 1983م لتنتهي معاناته مع كل شيء وكانت آخر لحظات حياته برفقة الدكتور جابر عصفور والأديب عبد الرحمن الأبنودي.

تراث زاخر
تميز أمل دنقل بشكل واضح من بين أبناء جيله بكونه شق دربا مختلفا وضعه ضمن الشعراء الكبار الذين لن تجرؤ الذاكرة الشعرية على تجاهلهم.
فهو شاعر الرفض والحرية وخطاب البسطاء والمهزومين.
ويبقى دنقل عازف الكمان بين الشعراء الكبار وصاحب بيان شعري غنى لأبناء الوطن العربي حالما بتفجر ثورات ضد الفساد بقصيدته “سفر الخروج”. ولم ينجر دنقل إلى الأحلام الفنتازيا ليسقطها على الواقع كما فعل العديد من أبناء جيله بل إنحاز إلى الشعر بتجارب احتك فيها بعامة الشعب حاملا معهم آلام الأمة العربية.
لقد ترك الآخرين يتعقبون الأسطورة لدى الإغريق والرومان وعاد إلى التاريخ العربي باحثا في أساطيره ووقائعه ليقدم قصائد من صلب الحياة لا تشعر سامعها أو قارئها أنه غريب عنها بل يحس بتعبيرها عن آلامه وتطلعاته.
إن ما ميز أمل دنقل قدرته الإبداعية على المزج بين قوة القديم وفاعلية الحديث في ثنائية القوة والفعل.
كل تلك الأشياء انصهرت في شعره كرؤية معرفية عميقة استطاعت أن تخلخل السائد دون أن تتقاطع معه نهائيا واستطاعت في الوقت ذاته فتح أفق حداثوي جديد إلى الأمام حاملا تناقضات الماضي في توليفة مذهلة.
كذلك يمكن لمس القدرة التنبؤية كسمة دنقل الشعرية كما تجلت في قصيدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” أو قصيدة “كلمات سبارتكوس الأخيرة” التي صورت الكارثة التي ستقبل عليها الأمة العربية في ظل السقوط المستمر لركائز القوة داخل المجتمع.
ولعل نزعة الرفض المتسربة في قصائد أمل دنقل لم تكن رفضا سلبيا محضا بقدر ما كانت رفضا إيجابيا يسعى للتوليد والإنتاج.
وتبدو جمالية الكلمات الشعرية في قصائد دنقل كانت ترتفع عن مجرد المشاهدة الفورية الممتعة إلى التأمل المعرفي المنتج.
وقد أشارت الأديبة زينب فرغلي حافظ إلى أن دنقل له فكر نقدي متميز جدا يمكن الوقوف عليه من خلال قراءة أحاديثه في الصحف والمجلات لكن تراثه الشعري أكثر بكثير من تراثه النثري وان كانت أغلب القضايا النثرية التي تحدث عنها تخص شعره فهو يمتلك الفكر الذي يطبقه في شعره الذي يحتاج قارئ غير عادي لفهم أشعاره الزاخرة بالتراث.
ولعل الشاعر والناقد الليبي صالح قادربوه يرى أن شعر دنقل فنيا ليس قويا جدا لكن تأثير الأيديولوجية في شعره ساحرة وتلك مفارقة لكن الأهم هو بقاء أثره في أجيال عديدة لهذا هناك ضرورة توجيه نقد موضوعي لجملة ما كتب فهو كان صارما ضد الظلم معبرا عن كافة هموم وقضايا الأمة والشعوب العربية.

إلى الأعلى