الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العالم يقرع طبول الحرب خارج أسوار العرب

العالم يقرع طبول الحرب خارج أسوار العرب

د.أحمد القديدي

” . بوتين أثبت أنه زعيم قيصري (وريث قياصرة روسيا) وليس مجرد رئيس ذكي مثل أسلافه جورباتشيف و يلتسين فهو مدرك لعودة الامبراطورية الروسية بقوة ويطمس كل آثار الاتحاد السوفييتي المقبور بشيوعيته و إلحاده فهو يشرك معه في المشهد زعيم الكنيسة الأرثوذكسية مثلما كان يفعل قياصرة روسيا (المقدسة) وهو اليوم من هذا المنطلق يطالب باشتراك موسكو في إدارة كل الملفات الحارقة…”
ــــــــــــــــــــــــــــ
في عالمنا العربي المشحون مصائب وأزمات وانفجارات ننسى أننا نعيش في عالم لا نتحكم في مساراته ولا ندرك القوى التي تحركه وترسم ملامح مصيره فنرتد على أعقابنا وننكفئ داخل حدودنا لنعاني ما كتب لنا القدر (أو كتبته لنا القوى العظمى) من خرائط الانكسار والتقسيم والهزيمة. إن العالم من حولنا يموج كالبحر المتلاطم الأمواج و يهيج كالرمال المتحركة لا تستقر كثبانه على قرار و بالطبع لا يعير اهتماما للشعوب المهزومة المغلوبة على أمرها و لا لحكوماتها و لا لنخبها لأن السياسة يديرها بدهاء من هو أقوى وأشد مناعة و يذهب ضحيتها من هو أهش عضما و أهزل عودا. و نحن أيها الإخوة العرب مع الأسف من هذه الفئة الثانية لا حول لنا ولا قوة نعيش في الدرجة السفلى من لعبة الأمم بينما الدرجة العليا أي في مستوى القرار والتأثير هي التي يلعب فيها العمالقة بمصير العالم و بمصيرنا يحركون خيوط الدمى المتقاتلة فيما بينها. تقول لنا النشرية الجيوستراتيجية الأميركية (استراتيجيك ألرت) في عددها (12 مايو الماضي) بأن مستقبل السلام الدولي رهين التحالف بين الولايات المتحدة وروسيا والبداية من إدارة ثنائية للملف السوري. ترى النشرية المتخصصة في أسرار السياسات أن لواشنطن وجهين: الوجه الأول المعلن يتعلق بالتنسيق بين واشنطن وموسكو على أيدي جون كيري وسيرجي لافروف حول الهدنة بين المتقاتلين في سوريا (حتى و لو تم خرقها مرات عديدة لأن الخرق ذاته محل اتفاق دقيق بين الرجلين) وكذلك حول تحديد المستهدفين بالقصف من قبل الأميركان والروس: داعش وجبهة النصرة ولكن عندما يصل الوزيران الأميركي والروسي الى تحديد مصير الحكم السوري ما بعد الحرب أي في الواقع مصير الأسد فإن الحليفين يصطدمان بجدار الاختلاف الكامل وبالطبع فليس الخلاف هنا حول مصير رجل واحد أو طبيعة نظام لأن هذه الأمور ثانوية وتافهة بالنسبة لهما بل هو خلاف حول تحديد المصالح الحيوية لكل من العملاقين. بوتين أثبت أنه زعيم قيصري (وريث قياصرة روسيا) وليس مجرد رئيس ذكي مثل أسلافه جورباتشيف و يلتسين فهو مدرك لعودة الامبراطورية الروسية بقوة ويطمس كل آثار الاتحاد السوفييتي المقبور بشيوعيته و إلحاده فهو يشرك معه في المشهد زعيم الكنيسة الأرثودكسية مثلما كان يفعل قياصرة روسيا (المقدسة) وهو اليوم من هذا المنطلق يطالب باشتراك موسكو في إدارة كل الملفات الحارقة كان أولها ملف النووي الإيراني وحل النزاع الأوكراني الروسي بما لا يتنافى مع مصالح موسكو لأنه يمسك بخيوط اللعبة باحتلال جزيرة القرم التي تبتر ساق أوكرانيا وتمنعها من الحركة. ففي المؤتمر الدولي حول الأمن العالمي الذي انعقد في موسكو الشهر الماضي اتفق القادة العسكريون الروس على أن يكون التحالف الروسي الأميركي هو حجر الزاوية لضمان الأمن في العالم وبخاصة من خلال التنسيق بين الدبلوماسيتين في محادثات (جينيف) حول سوريا. لكن الروس لاحظوا بمرارة أن الدبلوماسية الأميركية لا تحترم بنود هذا التحالف لأن جون كيري في لقائه بالمبعوث الأممي ديمستورا توجه بإنذار واضح للرئيس الأسد يمهله الى حد شهر أغسطس 2016 حتى يتهيأ ليتنحى لتمهيد الطريق لإيجاد صيغة مقبولة للبديل في سوريا وهو إنذار اعتبرته موسكو مبادرة مفاجئة وغير مقبولة وتنتهك روح الحلف الثنائي القائم بينهما! وبالتوازي مع هذا الخلاف سجل الروس أن زيارة مساعد وزير الدفاع الأميركي (روبرت وورك) الى دول أوروبا العضوة في حلف الناتو الأسبوع الماضي تركزت أساسا على تقوية الدفاع المشترك بنشر المنصات الصاروخية بعيدة المدى في بولونيا ودول البلطيك المتاخمة لروسيا مع تركيز قوة تتشكل من 4000 جندي و ضابط ! و هذا القرار عززته زيارة وزير الدفاع الأميركي ذاته (آشتون كارتر) مصحوبا بقائد أركان الجيوش الأميركية الجنرال (جوزيف دانفورد) وذلك تحت ستار تنصيب القائد الجديد لقوات حلف الناتو الجنرال الأميركي (كورتيس سكاباروتي). والى جانب تقوية الجبهة الأوروبية فإن واشنطن أكدت عزمها على تكثيف حضورها على أراضي كوريا الجنوبية ونصبت منظومة صواريخ مضادة للصواريخ من نوع (تهاد) تحسبا لأي خطر قادم من الصين أو من كوريا الشمالية. في عددها الصادر يوم 9 (يونيو) الجاري نقلت نشرية (استراتيجيك ألرت) أنباء عن حوار القمة الآسيوية الأمنية الذي انعقد في (شانغري لا) بسنغافورة التي خصصت لتعبئة القوى الإقليمية الآسيوية الحليفة للولايات المتحدة حتى تنخرط في منظومات صاروخية بالستية تمتد على الحدود مع الصين وكوريا الشمالية بالتزامن مع تعزيز الجبهة الأوروبية بمنظومة صواريخ تنصب في بولونيا ورومانيا وهما حليفتان سابقتان لما كان يسمى الاتحاد السوفييتي ! وقد تم إعداد الأسلحة الهجومية الجوية لهاتين الجبهتين (الأوروبية والآسيوية) بطائرات أف 22 و أف 35 و طائرات الاستطلاع البحري (بي 8 بوزايدون). ولا ننسى أن ردود الفعل الروسية والصينية جاءت سريعة وقوية حيث اعتبرت موسكو وبيجين أن أمنهما مهدد بهذه المبادرات الأطلسية حتى أن الوزير أشتون كارتر عند إشرافه على تخريج دفعة الضباط في الأكاديمية العسكرية بولاية ماريلاند يوم 27 مايو الماضي أعلن أن “الصين تنتهج نهجا انعزاليا و لا تتعاون معنا في التخطيط للحفاظ على السلام العالمي” ! و أضاف الوزير قائلا “بأن الولايات المتحدة ستظل لمدة عشرة أعوام قادمة سيدة السلام الدولي و الضامنة للأمن العالمي” ! جاء رد الفعل الصيني ساخرا في شكله و جديا في مضمونه على لسان الناطق باسم الخارجية الصينية (هوا شون ينج) الذي قال: ليس من عادتنا أن ننخرط في لعبة هوليودية أبطالها قوات أميركية أو في أي مخطط لحرب باردة جديدة! وجاء خطاب الرئيس باراك أوباما يوم 2 يونيو الجاري يعزز هذه التهديدات أثناء حفل تخريج الدفعة الجديدة من ضباط الطيران بولاية (كولورادو) حين أكد بافتخار واضح ونبرة متطاولة بأن ” الولايات المتحدة تحت رئاسته تمكنت من أن تصبح القوة الأولى المسؤولة عن الشؤون الدولية وأنها هي التي تضبط جدول أعمال كل المؤتمرات الدولية حتى لو لم نكن مدعويين لها !” وافتخر الرئيس أمام الخريجين بأن الولايات المتحدة عاشت فترة زاهرة من السلام رغم أنه استعمل القوة بصفته قائدا للأركان وأحيانا بشكل منفرد ودون أي ترخيص أممي وذكر بأنه أذن بقتل بن لادن و أنور العولقي بطائرات دون طيار (درون). وجاء تعليق (ستراتيجيك ألرت) على هذا الخطاب المتكبر فقالت في عدد 9 الجاري بأن الرئيس أوباما تناسى عدد الضحايا الأبرياء من العرب الذين قصفتهم طائرات الدرون كما ذكرت بأن مقاتلة أميركية كانت تشارك في حفل التخرج المذكور بألعاب بهلوانية استعراضية في الجو تحطمت فوق الأكاديمية الجوية مما يدعو للعناية بتطوير التكنولوجيا عوض عرض العضلات. لاحظوا معي أيها القراء الكرام أن مستقبل العالم ليس ورديا و لا يدعو للتفاؤل المفرط و أن مصائرنا نحن العرب تنفلت من أيدينا تدريجيا.

إلى الأعلى