الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختضار : حلب .. لعبة الشرق والغرب

باختضار : حلب .. لعبة الشرق والغرب

زهير ماجد

عند تعقد الأمور، نذهب إلى الذاكرة، نغتسل بالصور المنتقاة، وكل صورة في حلب مركبة من حياة مرت، او ستمر، ومن عمر مضى او سيمضي، من لعبة ان تعيش لترى المدينة الفواحة من جديد .. هي حلب التي عين الدنيا عليها، وعيوننا اليها ترحل كل يوم. ثمة فرق بين عيونهم وعيوننا، بين المقصود من نظراتهم الخبيثة المصلحية المحملة بكل عناصر التآمر، والذي تقوله نظراتنا المليئة بالحلم والامل.
لاشك ان مدينة كبرى كحلب تعيش رهانات مفتوحة تمضي اكثر فاكثر نحو التعقيد. ولكونها مهبط السر والمعنى الغني للدولة السورية ولجغرافيتها وتاريخها، فهي الآن مكان السؤال الذي يتردد دون جواب: لماذا تلك الكثرة تود حلب، وكل منها له ماللآخر .. ولماذا طال انتظار المدينة وهي على حد السيف دون ان يتمكن احد من تخليصها ..
ليس لأنها العاصمة الاقتصادية، ففي حرب كالتي تخوضها سوريا تتغير المفاهيم، وانما لكونها موقع وواقع، ولربما ايضا من يضع يده عليها سيفوز بجائزة الحرب ،وستكون له الارادة العليا في اعادة كتابة الواقع السوري لمصلحته بالتأكيد.
الروسي يعرفها جيدا، والتركي يراها في قلب اسطنبول، والاميركي هي ذخيرته الاقوى التي يقابل بها الجميع، والمسلحون الذين زاد عددهم كل يوم ايقنوا ان خارج المدينة فخ منصوب. اما السوريون بجيشهم العربي وبحلمهم المتبقي ضمن كفاءة هذا الجيش وقدراته، فقد باتوا يعرفون، لماذا الاصدقاء لايريدون حلب لهم في هذه الظروف وهذا التوقيت، ولماذا الاعداء يبنون املا طويلا على حسابات من هذا النوع.
احيانا تتحول مدن عظمى كحلب الى لعبة كل يشدها اليه، وكل ينشد اليها. ففي حسابات الجميع ان من تصبح المدينة له، سيكون له النصر ان لم يكن النهائي فمفتاحه .. ولهذا ممنوع على اي كان ان يصل الى هذه المرتبة او تلك النهاية التي ستكون فاجعة للآخرين، يجب ان تظل حلب موقعا يردد صدى الجميع دون حسم لاحد ، ففي هذه المدينة البطلة سيكون بطلا من يوقع حاضرها له.
هكذا تعقيد يكشف تعقيدات ازمة سوريا، فمن خلال حلب يمكن ان نتعرف على ابسط تفاصيل الحرب على سوريا واعقدها، ومن خلالها، ينفتح باب الشرق والغرب، يصبح اقليم الشرق الاوسط بمعناه عالما جديدا. فحلب قوة في اليد لمن يمسك، ومعنى في الغد لمن يتمكن منها. ستظل تلك المدينة على هذه الحال، الى ان يتفق على من تكون المدينة، او يأخذنا جيش إلى فضائه فيدخل المدينة كما دخلها المسلمون بقيادة غياض بن غنم وخالد بن الوليد لاول مرة، فصارت منبرا للاسلام في كامل فتوته.
الكل اذن ينتظر دوره ودورة اللعبة .. والكل خائف من الكل ومن نفسه وعلى نفسه. فحلب مركز لاتجوز فيه المجازفة لأن حساباتها خرجت على الصدفة وصارت محسبوبة بدقة متناهية. وغدا ستروى قصتها ليعرف من لم يعرف كيف واجهت المدينة قدرها وسط تربص الجميع وعيونهم التي لم تتركها لحظة واحدة، لكنها لم تكن ابدا عرضة للقدر بل لحسابات الحقيقة وليس هنالك مطرح للوهم.

إلى الأعلى