الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : هستيريا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

في الحدث : هستيريا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

طارق أشقر

كشفت نتيجة استفتاء خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي الخميس الماضي عن ان النسبة الأقرب الى 52% التي حسمت جدل بقاء او خروج بريطانيا هي الجرعة السياسية الأقوى في اصابة كافة اوروبا وربما دول العالم أجمع بالهيستيريا السياسية والاقتصادية، كون تلك النسبة أخرجت بريطانيا ورئيس وزرائها ديفيد كاميرون خارج دائرة الاتحاد الأوروبي سياسياً لدرجة وصفها المؤيدون بالاستقلال البريطاني. فيما أعلن كاميرون عن رغبته في الاستقالة من منصبه في اكتوبر المقبل.
ان هيستيريا النتيجة التي هددت وحدة الداخل البريطاني بخروج انجلترا وويلز عن الاتحاد دون اسكتلندا ، لم تنحصر على أوروبا المعنية بالأمر فحسب ، بل توسعت لتشمل العالم أجمع بما فيه أميركا والمنطقة العربية ، وذلك لأسباب اقتصادية تهتم بها أميركا التي يهمها وجود بريطانيا ضمن الاتحاد الاوروبي ككتلة اقتصادية واحدة ، ولأسباب جيوسياسية ولنقل (هيستروسياسية ) ان صح التعبير تتعلق بطبيعة الأوضاع السياسية في المنطقة العربية، والتي يرى بعض المراقبين ان توتراتها كانت أحد اكبر الأسباب الدافعة للبريطانيين للتصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي الذي فتح ذراعيه لاستقبال اللاجئين الذين (اكثرهم) من ضحايا صراعات المنطقة العربية.
لقد بدت الهستيريا اوروبياً أكثر وضوحاً، وذلك لدرجة ازدادت فيها المخاوف على مستقبل الاتحاد الأوروبي، خصوصا وان اصواتاً يمينية ارتفعت في ثلاثة من ست دول مؤسسة للاتحاد الاوروبي، وهي فرنسا وهولندا وايطاليا، مطالبة بأن تحذو شعوب تلك الدول الثلاث حذو البريطانيين لاجراء استفتاء يحدد مصير بلدانهم بشأن الاتحاد الذي انطلقت نواته الأولى بواسطة كل من (فرنسا وايطاليا وهولندا ولوكسمبورج والمانيا وبلجيكا ) .
ان دعوات اليمينيين في ثلاث دول اساسية من دول الاتحاد الاوروبي باجراء استفتاء مشابه لما جرى في بريطانيا، ينبغي عدم تجاهل نتائجها المتوقعه، خصوصا وان ما وجدت بريطانيا نفسها فيه ابتداء من الجمعة الماضية الرابع والعشرين من يونيو الجاري 2016 يوم ظهور النتيجة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد ، كان في بداية الأمر اصوات يمينية أعدها المؤيدون للبقاء في الاتحاد وعلى رأسهم حكومة كاميرون بانها اصوات نشاذ لم يتوقع الكثيرون نجاحها حتى في الساعات التي سبقت اعلان النتيجة.
وعالميا، فان هستيريا الخروج البريطاني، بدأت منذ وقت طويل بمجرد الاعلان عن رغبة البريطانيين في اجراء استفتاء شعبي بشأن تحديد مصير بريطانيا في منظومة الاتحاد، فكانت المخاوف العالمية ذات منطلقات اقتصادية بالدرجة الأولى،غير ان الاعلام العالمي الذي استخدمه سياسيو دول العالم الرافضون لفكرة الخروج البريطاني، وظف كافة المسوغات والمغريات والمصطلحات السياسية والاقتصادية لترغيب الشعب البريطاني بأن يظل ضمن منظومة الاتحاد الاوروبي، فتارة يؤكد ذلك الاعلام على ان بقاء بريطانيا في اوروبا سيزيد من نفوذها السياسي عالميا ، وتارة يتوقع بأن استمرار وجودها اوروبيا سيعزز من مكانتها الاقتصادية عالميا غير ان الكلمة الأخيرة كانت للشعب البريطاني اولا وأخيراً .
أما عربيا ، فان هيستيريا الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي، تعتبر الأقل وضوحا وتأثيراً بسبب التباين الكبير في الكثير من المصالح الاقتصادية والسياسية في السنوات الأخيرة ، وذلك رغم خصوصية العلاقات التاريخية بين المملكة المتحدة والمنطقة العربية التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس حتى وقت قريب، الا انه من الواضح ان مجريات الأحداث في بعض جغرافية المنطقة العربية كسوريا والعراق اسهمت بشكل او بآخر في اختيار البريطانيين لقرار الخروج من الاتحاد لوقف تدفقات المهاجرين من الكثير من دول العالم التي بينها بعض الدول العربية المضطربة، ومن هنا ساد القلق بين المهاجرين عما يخفيه المستقبل لهم.
ولكن رغم كل ذلك تبقى المخاوف العربية الأهم ذات طابع اقتصادي ابرزه ما سيشكله الوضع الجديد لبريطانيا من عبء على المجموعات الاقتصادية العربية والدول التي كانت تتعامل وتتفاوض مع بريطانيا اقتصاديا ضمن المنظومة الاوروبية، فستجد نفسها مضطرة الآن لاعادة التفاوض بسياقات مختلفة ووفق رؤى جديدة مختلفة، مما يضع دول المنطقة العربية في نفس الخندق الذي وجدت فيه دول الاتحاد الاوروبي نفسها، وبدأت من الآن الاستعداد للجولات التفاوضية الاقتصادية المقبلة … وسنرى.

إلى الأعلى