الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل العشر الأواخر رمضان (2)

فضائل العشر الأواخر رمضان (2)

العشر الأواخر مجال فسيح لتنافُسٍ شريف، وفوز كبير، مِنحة ربانيَّة وَهِبة إلهية، يكون للمجتهد فيها أعظم نصيب، ساعاتها غالية، ولياليها أغلى ليالٍ على الإطلاق، فلا تُماثِلها ليال طوال العام، عشر في العدد لكنها مئات بل آلاف في الأجر والمعنى روضة العشر الأواخر فيها نسائم الرحمة، ورحيق المغفرة، ومِسْك الطاعة، ونعيم العبادة، ولذيذ المناجاة العشر وما أدراك ما العشر؟! إيمان وقرآن، وتهجُّد وقيام، وزكاة وصيام، واعتكاف وذِكْر، فرصة ثمينة لمن فاته ما مضى من الشهر أن يُدرِك ما هو أفضل مما فات، ها هي العشر الأخيرة المباركة شممنا رائحتها العبقة الزكية؛ فهي أفضل أيامه ولياليه إذ فيها أشرف وأعظم ليلة في الدنيا وهي ليلة القدر إنها الليلة المباركة التي تنزَّلت فيها الرحمات على أهل الأرض بنزول القرآن؛ قال الله عز وجل: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) )الدخان ـ 3).
هذه الليلة المباركة التي لايوافقها عبد مسلم يتضرع إلى الله عز وجل، ويتقرب إليه بالعبادة مخلصاً محتسباً إلا كان من أسعد خلق الله عز وجلَّ؛ قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (رواه البخاري ومسلم)، هذه الليلة المباركة التي لا يُحرم خيرها إلا محروم؛ ارفع رقم حساب حسناتك أضاعفًا مضاعفة وضاعِف رصيدك من الأجر باستغلال هذه العشر بأفضل ما يمكن أن تستغلَّ فيه، ولا يكن حالُك فيها كما هو في غيرها؛ وبيّنت لنا أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ حال النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه العشر وما كان عليه من جدِّ واجتهاد وزيادة أعمال صالحة، وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على عِظم هذه العشر، وعِظم ما فيها من الخيرات والرحمات والنفحات الإلهية التي يمتنُّ الله عز وجل على عباده بها، حتى إنه (صلى الله عليه وسلم) حريص أشد الحرص على ألا يفوته شيء من هذه المنح ولا من تلك النفحات .
إذاً نستطيع أن نخْلُص إلى أن أعمال النبي (صلى الله عليه وسلم) التي كان يَخُصُّ بها هذه العشرهي :
أولاً: كان (صلى الله عليه وسلم) يجتهد فيها بأنواع العبادة: من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغير ذلك أكثر مما يجتهد في غيرها من الأيام والليالي.
ثانياً: شد المئزر: قال بعض أهل العلم: وهذا كناية عن اعتزاله (صلى الله عليه وسلم) للنساء في هذه العشر، وإقباله على الله بالكليَّة ، وتفرُّغه للعبادة والذكر .
ثالثاً: إحياء الليل: أي استغراقه بالسَّهر في الصلاة والذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا نوم ولا راحة فيها، إنما جدّ واجتهاد، واستباق للخيرات، ومسارعة لرحمات الله، ولجنة عرضها السموات والأرض.
رابعاً: إيقاظ أهله: فقد كان من هديه (صلى الله عليه وسلم) في هذه العشر أنه يوقظ أهله للصلاة والذكر ومناجاة الله عز وجل وغير ذلك حرصاً منه (صلى الله عليه وسلم) على أن يدرك أهله ما في هذه الليالي المباركة من الخيرات لاسيما ليلة القدر، وحتى يصيبهم ما فيها من الرحمات والبركات، وقد صح عنه كما روى البخاري أنه كان يطرق باب فاطمة وعليٍّ ليلاً ليُصلِّيا. فلم يكن يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم كما يفعل بعض الناس هداهم الله ، وهذا بلا شك خطأ وتقصير ظاهر
خامساً: الاعتكاف: فقد كان هديه (صلى الله عليه وسلم) المستمر: الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجلَّ .
يقول ابن رجب في لطائف المعارف: وإنما كان يعتكف النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر؛ قطعاً لأشغاله، وتفريغاً للياليه، وتخلّياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجز حصيراً يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم.
وقد تعجَّب بعض السلف رحمهم الله من ترك الناس للاعتكاف مع مواظبة النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول الإمام الزهري:عَجَبًا لِلْمُسْلِمِينَ, تَرَكُوا الاعْتِكَاف، وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) لَمْ يَتْرُكْهُ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ الله.
وفي الاعتكاف من الأسرار ما فيه من صفاءٍ للقلب والروح، وانشغالٍ بالرب جل وعلا، وذكره، وخلوةٍ بالمعبود جل جلاله والأنس به، وانقطاعٍ عن شواغل الدنيا ومشكلاتها، فإذا كان الصيام وقاية للقلب من مغبَّة الصوارف الشهوانية من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإن الاعتكاف ينطوي على سر عظيم وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف التي تُفرِّق أمر القلب وتفسد اجتماعه على طاعة الله عز وجل.
أقْبِل على العشر بقلبك، وأرِح جوارحك عن الحرام، وقيِّد لسانك على الذِّكر، واحفظ عينيك مما يجرح الصوم ويُفسِد القلب، ودع عنك اعتذار النفس ورغبتها في الكسل والدَّعة، وقل لها: الوقت غير الوقت، والراحة لها أيام طويلة وأوقات كثيرة، وشد المئزر وأيقظ أهلك وأحيِ ليلك وتوجَّه إلى ربك، فالعمر قصير وما سبق من عملٍ لا ندري أيليق بالجنة أم لا؟! وبين يديك جنة ونار، وبضاعة الجنة تُعرَض في هذه العشر، ومن الغفلة بل من الخسران أن تفوتك هذه البضاعة مع قدرتك على شرائها، والله يهدي من يشاء.

إعداد : مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى