السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تقديس الأشخاص والتأريخ

تقديس الأشخاص والتأريخ

لا زالت تعاني الأمة حتى يومنا هذا آثار الخلاف الذي حدث بين الصحابة منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وحادثة السقيفة، ومن ثم مبايعة أبي بكر الصديق، والكلام في مظلمومية فاطمة الزهراء، وكذا الأمر في بيعة عمر وعثمان، وفي الخلاف الذي حدث في آخر أيام عهد عثمان، وما حدث بعده من مقتله، ومن ثم حادثة الجمل، وواقعة صفين وأمر التحكيم وواقعة النهروان، وتنازل الحسن، وبيعة يزيد، وواقعة كربلاء التي استشهد فيها الحسين، وما تبع هذا من أحداث.
هذا التأريخ للأسف لا زال يشكل الصراع بين الأمة حتى يومنا هذا، حيث تطور من جانب سياسي تأريخي إلى جانب عقدي فكري، جعلت الأمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام متصارعة.
هذا الخلاف التأريخي للأسف لو نظرنا إليه نظرة قرآنية كما تحدث الله سبحانه وتعالى عن أحداث بني إسرائيل أنهى الموضوع بقوله:(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فلماذا لا ننهي نحن الموضوع الخلافي بعد وفاة الرسول عليه السلام بهذه الآية أيضا؟!.
والله تعالى لم يبن هذا الدين على شخوص معينة، فالدين أكمله الله وأتم نعمته على العباد، ورضيه على الخلق بإكمال وأنزال كتابه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فآخر آية نزولا على قول الجمهور، قوله تعالى:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
والمرء لا ينكر جهود المخلصين من أصحاب النبي وبذلهم من أجل هذا الدين، والأصل في هذا قوله تعالى:(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فهنا يشيد الله سبحانه وتعالى بالمهاجرين الذين هاجروا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وثنى بالأنصار، والذين نصروا إخوانهم، ووقفوا معهم، وثلّث بالتابعين إلى يوم الدين، وقيد الاتباع بالإحسان، وهي قمة الالتزام والاستسلام لله تعالى، فرتبة الإحسان لا تعادلها رتبة.
والله تعالى لم يتعبدنا بتتبع أحوال الصحابة، وأزواجه وآل بيته، فمن سابق في الخيرات فلنفسه، ومن اقتصد فله أجر ما قدم، ومن ظلم نفسه يتحمل نتائج ظلمه، فلا تزر وازرة وزر أخرى، والقاعدة الربانية كما أسلفنا تقول:(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
جميع هذا الخلاف التأريخي ولّد أحزابا تعصبت للرجال، فبعد ما كان التعصب للدين والحق، أصبح التعصب للرجال والأتباع، فمنهم من تعصب للصحابة والأزواج، والبعض لآل البيت، ولو اقتصر الأمر عند هذا لكان حسناً جميلاً، بل حدث ما نهى الشرع عنه جملة من السب واللعن لمن مات وانقضى إلى ربه سبحانه، ولم يسلم منه حتى أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم).
ولئن أخطأت الأمة المسير بعد وفاة نبيها، وقد كانت قوية بنفسها؛ فما ذنب هذه الأمة وقد تفرقت أحزابا متناحرة، والعدو يسعى إلى ذبحها والقضاء عليها، وجعلها أمة ذليلة مهانة، وما ذنب هذه الأجيال لأن تكون رهينة أحداث أكثر من ألف سنة، والأمم تنظر إلى مستقبلها لا إلى ماضيها.
والمجتمع الصحابي مجتمع بشري، كسائر المجتمعات البشرية، وقد علّمنا القرآن دروسا في التأريخ البشري، فقد تحدث عن أصحاب موسى، وحواريي عيسى، وأصحاب محمد، ودَرَسهم على اعتبار بشريتهم، وركز على الخطأ حتى لا يتكرر، وأشاد بالصواب حتى يتبع ويقتدى، وما عدا ذلك من هم؟ وأين مصيرهم؟ ولعنهم وسب من أخطأ، والتعصب المقيت وتأليه من أحسن، كل هذا نأى عنه القرآن الكريم.
من هنا جميع الأمم من قبل ومن بعد، فما مضى عنا بساعة، لم يتعبدنا الله بلعنه أو سبه أو الترضي عنه إلا ما ذكره الله قطعا في كتابه، والوقوف يسع الجميع، وبه يبرأ الإنسان من كلفة السؤال يوم الدين.
ثم إنّ التأريخ الذي كتب ودون فقد كتب في ظلال الفتنة، فاليوم مع انتشار وسائل الإعلام وحضورها المكاني والزماني، إلا أننا نجد الخلاف في نقل الحدث وما يتبعه من تأويل وتحليل، فما بالك بتأريخ كتب بعد فترة، ودون عن طريق حدثنا وأخبرنا، وهي أضعف صفات نقل الخبر منهجيا، لما يعتريها من الوهم والشك، ولما يتخللها من أغراض يمينية أو يسارية، فضلا على أن أغلب التأريخ فاقد الإسناد، وعن طريق الوضاعين الكذابين.
فما استفادت الأمة من صراعها التأريخي إلا تقديسا لأشخاص، ولعنا لآخرين، فأصابها الوهن والتمزق، وتركنا منهج القرآن في التركيز على الأحداث لا الشخوص، فهذا آدم عندما أكل من الشجرة، تحدث الله عن الحدث وعاتب نبيه، وما بعد ذلك أمره إليه سبحانه وحده لا شريك له، فقصة آدم تحوي من العبر والآيات، فلم تتفرق لأمثالها أمم؛ لأنها وقفت مع الأحداث، وتركت أمر آدم لخالقة وحده سبحانه.
وهؤلاء المنافقون عاشوا بين ظهراني النبي عليه الصلاة والسلام، واليهود عاشروه وعاملوه، فلم يجدوا منه السب واللعن، والإيذاء لمن مات من آبائهم وذرياتهم، بل نهى عن سب معتقداتهم وطقوسهم كما رباه ربه سبحانه:(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
نخلص من هذا كلة أنّ أكبر داء يهدد الألفة بين المؤمنين هو هذا الداء، فلا يمكن بعد أربعة عشر قرنا أن نكون ضحية القرن الأول، فلندرس التأريخ على اعتبار أنه تأريخ بشري فيه الخطأ والصواب، ونوكل حكم العباد إلى خالقهم، ولا نشاركه في ذلك سبحانه، وهذا ينطبق إلى يومنا هذا وما بعده للأجيال القادمة، ولنحترم اختلافنا التأريخي دون الإساءة لأحد.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى