الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (104)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن التـعـاون ، فهـذا النـبي مـوسى عـليه السـلام لما طـلـب الله مـنه أن يـذهـب إلى فـرعـون الطاغـية ، لـم يــتردد أن يـطـلـب مـن الله أن يـعـضـده بأخـيه هـارون لـيـكـون وزيـرا لـه ،وأن يشـركه مـعـه في الرسـالة ، لتحـقـيـق المهـمة التي كـلفه بها الله سـبحانه وتـعـالى.
قال الله تعـالى عـلى لـسان النبي مـوسى:(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي ،اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (طـه 25 ـ 32).
فأجـاب الله دعـاءه وطـلبه، وحـقـق أمـله، قـال الله تعـالى:(قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ) (طـه 36 ـ 37)، ولـم يقــصر الله التعـاون عـلى وقـت السـلـم، بـل جـعـله وقـت الحـرب أوكـد، حـيـث قال الله تعـالى:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الصف ـ 4).
وإذا اسـتعـرضـنا السـنة النبـوية المطهـرة، نجـد الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم) يصـبغ التـعـاون بصـبغـة الإيـمان، فـمـن ذلـك قـول (صلى الله عـليه وسـلم):(الله في عـون العـبـد ما كان العـبـد في عـون أخـيه)، وقـوله:(الناس بخـير ما تعـاونـوا)، وقـوله:(يشــد مـن كان في حـاجـة أخـيه كان الله في حـاجـته)، وقـوله:(الـمـؤمـن للـمـؤمـن كـالـبـنيان الـمرصـوص بعـضه بعـضاً) وقـوله:(مـثـل الـمـؤمـنين في تـوادهـم وتـعـاطـفهـم وتـراحـمهـم، كـمثـل الجـسـد الـواحـد إذا اشـتكى مـنه عـضـو تـداعى لـه سـائر الجـسـد بالحـمى والسـهـر).
ولـقـد أشار الـرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) إلى أن مـظاهـر الـتعـاون متـنـوعة فـجـعـل مـكافـئة عـلى التـعـاون الصـدقـة، قال (صلى الله عـليه وسـلم):(وتعـين الـرجـل في دابته فـتحـمـله عـليها أو تـرفـع لـه عـليها مـتاعـه صـدقـة)، وقال:(وعـونـك الضـعـيـف بـفـضـل قـوتـك صـدقة)، وقال للسادة للاعـتـنـاء بالخـدم:(فإن كـلـفـتـمـوهـم ما لا يـطـيـقـون فأعـيـنـوهـم عـليه).
مـوقـف أبي بـكـر مـن الهـجـرة :
ولقـد شـهـد التاريخ الإسـلامي في صـدره الأول، مـواقـف عـملية تجـلى فـيها تطـبيـق الـتعـاون في المجـتـمع الإسـلامي، فـكان مـن وراء ذلك خـير عـظـيـم، فـمثـلا مـوضوع الهـجـرة، هـجـرة الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم) مـن مكـة المكـرمة إلى المـدينـة المـنـورة ، يصـحـبه أبـو بكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنه ـ اشـتـرك فـيها العــديـد مـن الناس.
فالـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) رسـم خـطة الهـجـرة ووقـتـها، وأبـو بـكـر أعـد وسـيلة النـقـل (أعـد راحـلـتين راحـلة للـرسـول وراحـلة لـه)، والإمام عـلي بن أبي طـالـب رقـد في فـراش رسـول الله (صـلى الله عـليه وسـلم)، ليـوهـم المشركـين المـتربصـين لقـتـل الـرسـول ، بأن الـرسـول نائـم في فـراشـه.
وزوجـة أبي بـكـر أعـدت الـطـعـام مـع بـناتها أسماء وعـائشـة، ثـم حـملت ذات النـطـاقـين أسـماء بنـت أبي بكـر الـطـعـام إلى الغـار (غـار ثــور)، الـذي أويـا فـيه واستـراحا فـيه ثـلاثـة أيام ، وحـتى تخـبـو سـورة قـريـش عـن البحـث عـن الـرسـول وصاحـبه، وكـذلك الطـيـور شـاركـت (فـعـشـشـت الحـمامـة عـلى باب الغـار، والحـشرات شـاركـت (فـنسـجـت العـنـكـبـوت عـلى باب الغـار)، والـرسـول (صـلى الله عـليه وسـلم) وصـاحـبه أبـو بـكـر بـداخـله، ما أعـظـم هـذا الـتـعـاون وما أجـله ، وما أكــثر فـوائـده ، وما أعـظـم نـفـعـه.
ولـما أراد النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بـناء مسـجـده في الـمـدينة الـمنـورة، تسابـق المـسلـمـون في بـنائه ، وكان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم) في مـقـدمتهـم، فـتم بـناؤه في وقـت قـصـير نتيجـة الـتعـاون.
التـعـاون في حـفـر الخــنـدق :
وعـنـدما أراد المسلـمـون (باقـتراح مـن سـليمان الـفـارسي) حـفـر خـنـدق حـول المـدينة لـصـد هـجـوم الأحـزاب عـنها، فـتعـاونـوا جــمـيعـا عـلى الحـفـر، وكان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) سـباقاً للـتعـاون والمشاركة، فـتم حـفـره قـبـل وصـول جـمـوع الأحـزاب، ولـما وصـل جــيش الـكـفـار الأعـداء فـوجـئـوا بشيء لـم يعـهـدوه مـن ذي قـبـل، فـسـقـط في أيـديهـم.
وقـد حـدث أن قـام النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بـرحـلة مـع جـماعة مـن أصـحابه، وفي أثـناء الـرحـلة أرادوا ذبـح شـاة لـطـعـامهـم، فـقـال أحـد الصـحابة عـلي ذبحـها، وقال الثاني: وعـلي سـلخها، وقال الثالث: وعـلي طـبخـها، فـقـال النبي (صلى الله عـليه وسـلم): وعـلي جـمع الحـطـب.
ما هـذه الأخـلاق العـالية، رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) خـير خـلـق الله، يـشـارك أصحـابه بجـمع الحـطـب، كـيـف لا يـفـعـل الـرسـول ذلك، وقـد وصـفه الله بقـوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القـلم ـ 4).
هـكـذا عـلـم الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) أصحـابه روح الـتـعـاون، فهـو الـقـدوة الطـيبة والأسـوة الحـسنة ، ليغـرس روح الـتعـاون في قـلـوب الـمـؤمنـيـن.
نـسأل الله أن يجـعـلـنا مـن الـذين ينعـمـون بنـعـمة التـعـاون عـلى البـر والـتقـوى، وأن يحـفـظـنا مـن بـلـوى الـتعـاون عـلى الإثـم والعـدوان آمـين يا رب العـالمين.
بـين الـمـودة والـرحـمة:
قال الله تبارك وتعـالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الـروم ـ 21).
الـمـودة أمـن وأمـان، وهـو محـبة الشيء وتمني كـونه، والتمني يتضـمـن معـنى الـود ويـقـال: ود فـلان الشيء أي أحـبه وهـويه وتمنى وقـوعـه، ومـن أسـماء الله الحسـنى اسـم (الـودود) وهـو عـلى وزن فـعـول بمعـنى مـفـعـول، فهـو مـودود أي محـبـوب تمـكـنـت محـبـته في قـلـوب أولـيـائه وعـبـده الصالحـين، ويجـوز أن يـكـون عـلى وزن فـعـول بمـعـنى فاعـل، أي أنه يحـب عـباده الصالحـين، بمعـنى يـرضى عـنهـم، وقال الله سـبحانه وتعـالى:(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هـود ـ 90)، أي: يضـاعـف الإحـسان والانـعـام، لعـباده الطـائعـين الـمستغـفـرين، لأن مـودة الله ينبغـي أن تـقابـل بالاسـتـغـفـار مـن الـذنـوب والـتـوبة إلى الله، قال الله تعـالى:(وهـو الغـفـور الـودود) (البـروج ـ 14).
والـمـودة بين المسلـمـين أمـر واجـب يحـبه الله ويـدعـو إلـيه، لأن الله جـل جـلاله يـقـول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 71) والـرسـول (صلى الله عـليه سـلم) يـقـول:(الـمـؤمـن للـمـؤمـن كالبنيان المـرصوص يشـد بعـضه بـعـضاً)، والقـرآن الكـريم يـفـتح أمامنا باب الأمـل والاطـماع في اصـطـناع الـمـودة، فـيخـاطـب الـمـؤمنين في شـان الكـافـرين بـقـوله:(عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحـنة ـ 7).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى