الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 21

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 21

كيف تتذكر عناصر خطبتك؟
هناك طريقتان تستطيع من خلالهما أن تتذكر عناصر الخطبة: أولاً: بواسطة دافع خارجي: كالملاحظات، مع أن الأولى بالخطيب تجنب استخدامها إذا أمكنه ذلك، وثانياً: بربط الشيء بشيء موجود في الذهن مسبقاً، وذلك بتسلسل منطقي.
كأن تتذكر أوتربط نقطة معينة في الخطاب بكلمةأو موقف،وقد كنت أقوم بهذه الطريقة عند حفظي للقرآن الكريم حيث كنت أربط بداية الآيات بموقف معين، أو بتسلسل منطقي، فمثلاً .. عند حفظي أو(وعيي) لسورة الدخان وعند ختام السورة قمت بعمل تسلسل للآيات .. هكذا.
المتقون في مقام أمين ـ أين؟ في جنات وعيون ـ ماذا يفعلون؟يلبسون من سندس واستبرق متقابلين ـ لماذا؟ وزوجناهم بحور عين ـ هل أكلوا شيئاً أوتمتعوا بشئٍ يوم زواجهم؟ـ يتمتعون فيها بفاكهة آمنين ـ هل هذا أمر دائم؟ ـ نعم لايذقون الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ـ لماذا كل هذا؟ ـ فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم .. وهكذا .. إلخ.
ماذا تفعل إذا نسيت النقطة التالية؟ يلجأ بعضهم إلى افتعال موقف معين كالتأكد من وضوح الصوت أو شرب الماء، وخلال هذا التوقف الضئيل يلتقط الفكرة ويتابع.
لكن أفضل منقذ في مثل هذا المأزق الذهني هو: استخدام آخر كلمة أو عبارة في الجملة الأخيرة لتوليد تعليق مناسب أو جمل جديدة فيما يجري تذكر النقطة التالية أثناء إلقاء هذه الكلمة .. وهكذا.
عناصر التأثير: ليست مهمة الخطيب منحصرة في توضيح الاحكام الشرعية، ولا في التعريف بموقف الاسلام من بعض القضايا، ولا في الموعظة والتذكير، ولا في الارشاد والتوجيه، ولا في الترغيب والترهيب، ولكن مهمته تحيط بجميع تلك المواضيع، وبما اليها، وتستلزم حتما إلى جانب ذلك ـ أن تهتم أعظم الاهتمام بكل ما شأنه أن يوقظ العقول من استغراقها في متاهات الغفلات، وأن يهز القلوب المتوقفة عن الاحساس بما خلقت لأجله، وعن تصورها للمنهج الذي أقامه الله لاستخلاف الانسان في الأرض.
والناس ليسوا سواء في قبولهم الحق، ورغبتهم في الاهتداء، وذلك لعدة أسباب، منها اختلاف أمزجتهم، وتفاوتهم في الذكاء، وفي مراتب المعرفة وفي حظوظهم من التربية، وفي مدى صلاح البيئات التي يحيون فيها، وفي تقديرهم لقيمة من ينصتون اليه .. الخ.
والقرآن العظيم نبه على هذه الحقيقة فذكر، أن طائفة خاصة من الناس تفيض أعينهم من الدمع عند سماعهم الحق:(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) (المائدة 83 ـ 84).
ولما كانت غاية الخطيب أن يؤثر في من يستمعون إليه بأكبر قدر تبلغه الطاقة البشرية، كان عليه أن يتزود بأكبر قدر من العلم والمعرفة التي تجعله قريباً من المستمعين على اختلاف احوالهم.
إن عناصر التأثير كثيرة ومتنوعة وأهمها: تعليل احكام القضايا وتحريك مشاعر المستمعين واثارة حميتهم ومكانة شخصية الخطيب وتجنب التعالى على المستمعين والاشفاق عليهم والحرص على جودة الالقاء
واليك بيانها مفصلة: تعليل احكام القضايا: كان كثير من الخطباء في القرون الاولى إذا أراد أحدهم مخاطبة الناس في أي أمر اكتفى بعرض بعض النصوص المتعلقة به من الكتاب والسنة وربما أضاف إليها ما شاء من الأحداث والمواقف الكريمة لسلفنا الصالح أو لمن تقدمهم من أمم الرسل السابقين فما هو إلا أن تبلغ كلمة الخطيب من السامعين مبلغاً عظيماً وتؤثر فيهم تأثيراً عجيباً وقد لا يهتدى مستمع إلى سر التشريع الإسلامي في بعض القضايا فيتساءل في نفسه عن الحكمة من ذلك وما يتحرك خاطره بهذا الاستفسار حتى يجيبه هاتف الإيمان الحق من أعماق نفسه: الله حكيم خبير.
(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) أما في العصور الأخيرة فقد أصبح الحال مختلفاً عن الحال الأولى فقد كادت مخالفة بعض الناس لما يسمعون من كلام الله وحديث رسوله تكون أمراً مألوفاً وصار أمثال هؤلاء بحاجة إلى أن يتعامل الخطيب معهم على ما عليه مبلغ إيمانهم ومستوى مداركهم، ليتيسر انقيادهم إلى ما يدعوهم إليه لذلك أصبح من الواجب أن يتوسع الخطيب في بيان أسرار التشريع ويسهل عليه ذلك إذا قام بتوضيح الأخطار الناتجة عن التصرفات التي نهى الله عنها، وبهذا التصرف يستجيب إلى حاجة كثير من المستمعين إليه في هذا العصر.
وكمقارنة نجريها بين خطيبين يتناول كل منها موضوع الخمر مثلاً ويكون أحدهما من خطباء السلف والآخر من خطباء هذا العصر فإننا إذا قارنا بينهما نجد الأول يعرض ما يتيسر له من النصوص الواردة في تحريم الخمر وإذا أضاف اليها شيئاً فقلما يخرج عن تفسير ما فيها من مفردات أو سبب نزول وقد يضيف إلى ذلك أن يوصى بتقوى الله وبخشيته والتحذير من عقابه فيكون لهذا القدر أعظم الوقع في نفوس السامعين لأن النفوس الطيبة تتحرج من الاثم ولأن الإيمان الحق يحمل صاحبه على الانتفاع بالذكرى ألم يقل الله عز وجل: ( وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين).
ولاشك في ما يشبه تصرفات الخطباء القدامى ما يزال له تأثير على بعض النفوس حتى اليوم ولكن كثيراً من الناس لا يستجيبون إلى نداء من يدعوهم إلى الله بعض الاستجابة إلا إذا كان نداؤه يستجيب إلى ما فرضته ظروف هذا العصر لذك نجد الخطيب المسموع الكلمة في هذه الايام هو الذي يضمن دعوته توضيحاً يتلاءم مع التصورات الزمنية عند هؤلاء الناس.
ففي موضوع الخمر ينبغى أن يكشف عما فيه من مضار تتلف أخلاق الناس وعقولهم وأبدانهم وأموالهم وتنشر الجريمة وتفسد العائلة وتدمر روابط الاسر وتفكك تماسك المجتمع وتجعل السكير فاقداً للشعور بالمسؤولية فيفعل ما لا يفعله أي عاقل.
وكل بلية من تلك البلايا ذات أبعاد خبيثة وتفصيلها يحتاج إلى بيان عريض ولو اقتصرنا على أثر الخمر في صحة السكير فقط لهالنا حجم الكارثة التي أثبت الطب أنها تحيق به على مراحل وأن المرحلة الاولى هي أن السكير إذا كانت نسبة الكحول في دمه مليجرام في كل سانتليتر فإنه يصاب بضعف الملاحظة والتفكير فإذا وصلت مليجرامين اصيب بالمرح الصاخب أو الهدوء الحزين فإذا بلغت ثلاثة مليجرام دخل في طور الوقاحة والسباب والخصام فإذا بلغت اربعة مليجرام صار غير قادر لا على المشى ولا على التفكير وثقل لسانه عن الكلام وفي الخمس مليجرام يأتى دور النبض الضعيف والتنفس البطئ ثم الاغماء التام اما إذا وصلت نسبة الكحول في دم السكير ستة مليجرامات فالوفاة التامة.
والخمر يتسبب من جهه أخرى في الأمراض العقلية وفي الشلل الاهتزازى وفي امراض الكلى والكبد وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم .. الخ.
وليس التعليل وتوضيح حكمة التشريع بأمر مبتدع في الدين بل هو معتبر فيه وملاحظ فيما ورد عن الله ورسوله ولكن ذلك وارد بايجاز وفي وروده اشارة إلى المنهج المثمر في مجال التوجيه فلقد قال سبحانه:(إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، فأنت ترى أن الاية تضمنت توضيحا لطائفة من البلايا المنجرة من تناول الخمر.
وفي القرآن والسنة كثيراً ما نجد التعليل مقترنا بالحكم الشرعي، إما أن نجده واردا بعده كما في قضية الخمر، وإما أن نجده متقدما عليه كما في قوله تعالى:(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض)، وقد يكون التعليل مطوياً في الكلام بطريق الاشارة كقوله تعالى:(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين) فان من موجبات حمد الله أنه سبحانه هو القائم بتربية العالمين ايجاداً، وحفظاً، ورحمة، وأنه القادر على بعثهم ليكافئهم على كل ما يعملون ، فكانت تلك الصفات الكريمة في الاية الكريمة مذكرة للحامد.
ومن هنا كان على الخطيب أن يتأسي بخطاب الله لعباده فلا يعرض أمرا إلا وهو واضح الاسباب بين النتائج، وفي تقص لا يدعو إلى السأم ولا ينحدر إلى الاسفاف وقضية التعليل إذا نظرنا اليها ـ بصفة أشمل وأوسع ـ نعلم مع الأسف أن من اقتنع بشئ من أجل دليل أو عدة أدلة هو انسان لا يوثق باقناعه لأنه عرضه لأية شبهة تقدح في ذلك الدليل أو الادلة وهذا من الفوارق التي أصبح بها خلف الامة مغايراً لسلفها إذ أن سلف الأمة لما آمنوا بالله ورسوله التزموا بقبول كل ما بلغهم من طريق صحيح عن الله ورسوله، وساروا على ذلك جملة وتفصيلا، والغريب في ناس هذا العصر أن طائفة منهم اصبحوا مفتونين بما سموه تحكيم العقل فلا يكادون يستجيبون الا إلى ما يوافق عقولهم هم ،وأكثر من هذا أن منهم من يتجرأ فيحاول أن يناقش ما ثبت بنص قطعى عن الله ورسوله، وقد يحتال فيرفض بعض الاحاديث مدعيا أنه يتشكك في صحة نسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل ذلك ارضاء لنفسه واستجابة لهواه، فهو لا يرضى أن يوصف بأنه مخالف لتعاليم الاسلام ولذلك يبرر مخالفاته بشتى التعاليل التي يتوهم انها كفيلة بأن يعتبره الناس ملتزما بالاسلام ولكن في حدود ما يقرره عقله المستنير كما يدعى.
وكثير من هؤلاء يضعون النصوص في غير موضعها فإذا اراد أحدهم تبرير بعض المخالفات استشهد بقوله (صلى الله عليه وسلم):(إن الدين يسر) مع أن هذا الحديث ما ذكره (صلى الله عليه وسلم) الاللمستغرقين في نوافل الخير ليردهم إلى التخفيف مما يزيد على الواجبات لا أنه ذكره لتبرير التفريط في الواجبات.
وأصل هذا الحديث كما في البخاري:(إن الدين يسر ولن يشاد الدين احد الا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشي من الدلجة)، هذا هو الحديث بتمامه ومنه يتبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل أن الدين يسر فقط وسكت وإنما قال: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد الاغلبه….الخ ومنه يتبين أن تنبيهه على التيسير موجه للذين كانوا يحملون أنفسهم المشقة في نوافل العبادة أكثر مما تطيق الاستمرار عليه
ولا شك مع هذا فإن المشاعر الدينية هي التي ما تزال تسوق المصلين إلى الجوامع ولكن التصور الديني في هذا العصر قد تكدر عند بعض المسلمين بالوان من التلوث وقد اختلفت مصادر تلك الألوان وتنوع تأثيرها على النفوس فكان من ذلك أن طائفة من المصلين إذا سمعوا بعض الاحكام الشرعية التي يعلن عنها الخطيب يتصورون أن ما استمعوا اليه لا يعدوا أن يكون احدى نظريات الخطيب نفسه ويدفعهم هذا إلى أن يتكون لدى هؤلاء قابلية للرفض والقبول بل بعضهم يتجاوز هذا الحد فيعلن في المجالس عن لومه للخطيب فيما تضمنته إحدى خطبه أو عدة خطب من خطبه، خصوصاً إذا كان الحكم يتناول قضية منتشرة بين الناس وهم فيها مخالفون لحكم الله فتستغرب هذه الطائفة أن ينهى الخطيب عما هو شائع في بعض الاوساط المنتسبة إلى الاسلام أو يزعزع ما استقر فيهم من انحراف لطول زمان الغفلة والاهمال.
فيا لله للخطباء في مثل هذه البيئات وأين حال هؤلاء من حال السلف الذين كان العالم منهم إذا خرج من الجامع يقول مغتبطاً:(جزى الله فلانا عني خيرا لقد ذكرني كذا وكذا وزادني فهمًا لكذا وكذا ورغبني في كذا وكذا) فأين الناس من الناس..؟.
تحريك مشاعر المستمعين: إن عواطف المستمعين ومشاعرهم بحاجة إلى الاثارة بمقدار حاجة عقولهم إلى الاقناع أو اشد، ومن هنا كان على الخطيب أن يخصص جانبا من اهتمامه لاثارة عواطفهم ولإلهابها احياناً ولا تكون الاثارة الا بأمرين: أن يكون الخطيب نفسه متحمسا للموضوع ولا أعنى بالتحمس أن يملا الجو صراخًا، لأن بعض الصراخ قد يكون مجلبة لتكدير المستمعين، خصوصا إذا كانت العبارات لا تتلاءم مع الصراخ المثير للازعاج، ولاشك أن هذا التصرف إذا اعتاده من يألفون سماع الخطيب فإنه يفقد التأثير فيهم عندما يكون الموقف يدعو حقيقة إلى الانفعال الداعي إلى الضغط على بعض الكلمات أو الجمل لتبرز برنين خاص ينبه السامعين اليها، ويقذف بها إلى أعماق مشاعرهم.
وليحذر الخطيب الجهير الصوت من رفع صوته فوق الحاجة، خصوصا إذا كان يستعمل الجهاز الناقل للصوت فان ذلك يفلق ادمغة المستمعين ويدفعهم إلى التمثيل، وأن يكون الخطيب مقتدرًا على نقل مشاعره واحاسيسه إلى السامعين ولابد من أن يراعى في هذا الامر عدة اعتبارات من بينها: أن يتحاشى الاغراق في الخيال والمبالغات، وأن يطعم المعاني بصورة مادية لتقريبها من مشاعر السامعين، وأن يقوم بمقارنات بين عناصر الموضوع، أو بعض جزئيات العناصر وبين ما يماثلها مما هو واقع في نفوس السامعين موقع القبول والتسليم، سواء في ذلك ما كان حبيبا لهم أو كريها عندهم، ليستعين بكل هذا على ابلاغ السامعين اقصى ما يستطيع من مشاعره، وليشخص المعاني في اجلى صورة تأنس العقول بتسليمها، وتأخذ طريقها إلى الاستقرار في النفوس.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
* إمام وخطيب جامع ذو النوريين
- Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى