الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (21)

(نفحة رمضانية مباركة) (21)

أيها الصائمون والصائمات: قال (صلى الله عليه وسلم) محذّراً من الركون إلى الدنيا: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء), وقد جاءت الآيات الكثيرة في القرآن يحذر الله فيها عباده من الركون إلى الدنيا والاغترار بها وهي كثيرة ومعلومة فراجعوها إن شئتم.
قال يحيى بن معاذ الرّازي:(الدّنيا خمر الشّيطان، من سكر منها لم يفق إلّا في عسكر الموت نادما مع الخاسرين) وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوضح لأتباعه حقيقة الدنيا وموقفه منها.
عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال (صلى الله عليه وسلم):(مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) ـ رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال ابن رجب: وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة وليست له وطناً، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على واحد من حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد الغربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم ألبتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا أوصى النبي (صلى الله عليه وسلم) ابن عمر أن يكون في الدنيا على واحدٍ من هذين الحالين.
اتخاذ الدين لهواً ولعباً:
سل نفسك أخي المسلم ماذا يمثل دين الله في حياتك؟ هل الدين هو همك الذي تحمله أم الدنيا واللهث وراء الشهوات؟ هل الدين على رأس اهتماماتك, أم أن الدين آخر القضايا التي تفكر فيها؟ هل الدين هو قضيتك التي توالي عليها وتعادي من أجلها, أم هوى النفس ورغباتها؟
إياك أن تكون من الذين قال الله فيهم:(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (الأعراف ـ 51).
قال أبو الدرداء:(إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله، فإن كان عمله تبعاً لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان هواه تبعاً لعمله، فيومه يومٌ صالح)، وعن ابن عباس قال:(ليأتين على الناس زمانٌ يكون همة أحدهم فيه بطنه، ودينه هواه) مثل أهل البدع، دينهم أهواء، يهوى شيئاً فيتبعه ويجعله ديناً.
نتائج الغفلة:
الغفلة سبب لتسلط الشياطين و أقران السوء على المرء قال سبحانه وتعالى:(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (الزخرف 36 ـ 39)، فمن يتعامى ويتغافل عن ذكر الله تعالى ويغمض عينيه عن نور رب العالمين سبحانه وتعالى؛ ويترك ربه سبحانه وتعالى، يتركه الله عز وجل ويسلط عليه هواه، ويسلط عليه الشياطين لأنه غافل عن الله عز وجل.
الغفلة سبب انحطاط الهمم:
يقول أبو الدرداء:(عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه)، أي: هو يجري وراء الدنيا، والموت يجري وراءه، قال:(عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه، ولغافل وليس بمغفول عنه)، وسئل ابن الجوزي: أيجوز أن أفتح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها، وقال عمر ـ رضي الله عنه: الراحة للرجال غفلة، وقال شعبة بن الحجاج: لا تقعدوا فراغاً فإن الموت يطلبكم، فلذلك يقول ابن القيم: كل إنسان لابد له من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم.
وأخطر من ذلك أن الإنسان إذا تمادى في غفلته, أورثته هذه الغفلة حسرة وندامة لا انقطاع لهما لأنه لم يفق من غفلته إلا بعد فوات الأوان عندما يعاين السكرات, عندما ينام على فراش الموت, عند ذلك يتمنى أن لو مد الله في عمره ساعة ليستدرك ما فاته ويصلح ما أفسده ولكن هيهات هيهات (حيل بينهم وبين ما يشتهون ..) قال الله تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون 99 ـ 100)، والله إنها لحسرة وإنها لندامة ولا تنفع الحسرة والندامة يومئذ, والأشد من ذلك في الحسرة والندامة عندما يحشر أهل الغفلة بين يدي الله تعالى وقد نكسوا الرؤوس وعلت وجوههم الذلة والصغار، اسمع ماذا قال ربك سبحانه وتعالى:(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (السجدة 12 ـ 14).
وتزداد حسرتهم وندامتهم عندما يؤخذ بهم إلى جهنم يساقون إليها سوقاً ويدفعون دفعاً شديداً فيقفون على شفير جهنم ينظرون إلى لهيبها ويسمعون شهيقها وزفيرها وهي تتغيظ عليهم,عند ذلك يتمنون أن لو رُدوا إلى الدنيا ليصطلحوا مع ربهم ويتبعوا أمره,,قال تعالى:(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى:(وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ..)، وقال تعالى:(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
إذاً فما علاج هذا المرض الخطير؟ هناك عدة أسباب لابد أن نأخذ بها لعلاج هذا المرض:
أولاً: تذكر الموت ومشاهد الآخرة:عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ):(قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ, إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ).
أيها الأحبة: تزول الغفلة بتذكر الخاتمة، عش ما شئت فإنك ميت، يقول أبو الدرداء لما حضرته الوفاة: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم تلا قول الله:(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) مر ابن الجوزي مرة بقصر من قصور الأثرياء فقال وهو يخاطب صاحب القصر الذي كان جالساً في شرفة من شرفات القصر، فقال ابن الجوزي له:
ستنقلك المنايا عن ديارك
ويبدلك الردى داراً بدارك
وتترك ما غنيت به زماناً
وتنقل من غناك إلى افتقارك
فدود القبر في عينيك ترعى
وترعى عين غيرك في ديارك
إذا أردنا أن تنجلي هذه الغفلة فلنتذكر أننا راحلون، كم جنازة صلينا عليها تذكر أنك يوماً من الأيام واحدة من الجنائز التي يصلى عليها، زر المقابر وتأمل أحوال هذه المقابر:
أتيت القبور فناديتها
فأين المعظم والمحتقر
وأين المدلل بسلطانه
وأين الغني إذا ما افتقر
زر قبر الرئيس وقبر الزعيم، وقبر الأمير وقبر الوزير، وقبر الملك، وقبر الثري وقبر الفقير كلها بجوار بعضها، أين الحجاب، وأين البواب، وأين الاستئذان، وأين البرتوكول، وأين المواعيد؟ انتهى الأمر:(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) هذا هو المرد وهذه هي النهاية، فمن تذكر ذلك حتى وإن ركب ما ركب وسكن ما سكن وجمع ما جمع فإنه بإذن الله عز وجل يعود منكسراً إلى الله (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) لذا أمرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) بزيارة القبور لأنها تذكر الآخرة، فقال:(أكثِروا ذكر هادم اللذات فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه)، بل لما جيء بجنازة وجلس (صلى الله عليه وسلم) على شفير القبر بكى حتى بل الثرى، ثم قال (صلى الله عليه وسلم):(يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) فليتفكر العبد في هذا، وليعلم أنه لا يعالجه من هذه الغفلة إلا أن يكسر ويحطم قسوة قلبه بأن يرى الأموات يغسلون، ويرى الأموات يكفنون، ويقف عند المقابر، ويزور المرضى، وينظر أحوال أصحاب العاهات الذين سلبت منهم العافية بين لحظة ولحظة ليعرف حاله وأن ما أصابهم ليس ببعيد أن يصيبه.
هكذا ـ أيها الأحبة ـ ينبغي أن ننتبه وأن نحذر من هذه الغفلة، ومن لازم ذكر الله عز وجل فهو في خير وعلى خير بإذن الله سبحانه وتعالى ونسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى