الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (18)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (18)

انتهى بنا الكلام حول بيانية القرآن الكريم لعامة الناس، وحول تبيانيته لمقام النبي محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، وعرفنا من خلال ما قرينة المقام ان هناك اختلافا بين مقام البياني وبين مقام التبياني للقرآن الكريم، وهذا بنفسه يضعنا على موضوع من اهم المواضيع القرانية التي يزخر كتاب الله العزيز به، وهو: مقام النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، وفيه كشف لأهم ادوار النبي الخاتم في اخر امته.
فان القرآن الكريم لما ان يصف نفسه بانه تبيان لكل شئ في قوله تعالى:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل ـ 89)، فان الكلام ليس كلاما اعتبارياً يقبل الحمل على المجاز او المبالغة، بل انه صادر من خالق الوجود، وهو الحق في كتابه، ويبين الوقائع الحقيقية، وخاصة انه يعلم مستوى التحدي الذي سيواجهه من قبل الخصوم، فلابد وان تكون مفاهيمه ومفرداته تتوافق معها البديهيات العقلية، وتنسجم البراهين العقلية الثابتة.
فهذا التوافق وهذا الانسجام لا يتأتى إلا اذا كانت المفردات فوق مستوى الاعتبار، لتصل الى رتبة قوة المعادلات الرياضية، وهي رتبة الوقائع والحقائق.
وبناء عليه فان ما يوقفنا القرآن الكريم عليه من الحقائق حول شخصية النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين من خلال هذه الآية المباركة وغيرها، والتي فيها بيان لدوره صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين الرسالي لهو وقوف في الحقيقية على مستوى شخصيته صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين المعرفية من جهة، وعلى شخصيته القيادية من جهة اخرى، وعلى مستوى شخصيته التربوية من جهة ثالثة، وكل هذه الجهات وغيرها تجمعها الجهة الربانية التي يمتاز بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأصحابه المنتجبين بها، فهي شخصية لا يمكن التصور في ساحتها أن تجمع بين المتناقضات، بل هي شخصية كمالية، والتي تتجلى فيها جماليات عالم الغيب والشهادة، ولسنا الآن بصدد الحديث عن مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه المتجبين في القرآن الكريم، وعن منزلته الوجودية، وإلا فإن الحديث في هذا الخصوص يحتاج الى تخصيص حلقات وبعنوان مستقل تتحدث فقط عن مقام النبي الخاتم محمد صلى الله عيله وآله وأصحابه المنتجبين من القرآن الكريم.
فنرجع ونقول .. إن الحيثيات متعددة لهذه الشخصية العملاقة في عالم الأكوان على الأطلاق، ولا تدانيه شخصية ابدا بمستواها، لذا كانت محلا لحمل تبيانية القرآن الكريم لكل شئ في فكره وعقله ونفسه وسلوكه، فكانت حقا الشخصية الالهية الأوحدية في جميع ابعادها الكمالية.
ومن هنا اذا نظرنا الى القرآن الكريم فاننا لن نجد في أية آية من آيات القرآن الكريم ما يبين ان القرآن الكريم قد خص تبيانية كل شئ بعامة الناس، أو جعلهم في موقع يمكن أن يكونوا في هذا لمقام، كلا بل جعلها من مختصات مقام النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المتجبين، وهذا الفارق في مثل هذا التنزيل التبياني، وبين بيانية الكتاب العزيز الذي لم يوصف حتى بالتنزيل ابدا، لاختصاص التنزيل عليه فقط دون غيره ليوقفنا على مجموعة من الحقائق العلمية المعرفية منها:
اولاً: ان التنزيل القراني يحتاج الى محل يتحمل معارف ما يُتنزل من السماء، وذاته صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين هي الوحيدة القادرة على هذا الحمل العظيم، ما يوقفنا بدوره على ما تكون مثل هذه الشخصية العملاقة ، وتفتح لنا باباً بل ابواباً على ابعاد شخصية النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين.
ثانياً: ان هذه المعارف المنزلة عليه صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين تحتاج أن تخرج من صدر الخاتم الى أذهان عامة الناس .. وهنا تصادفنا احدى اهم المنعطفات الرسالية التي فيها طابع العقبة في عالم التبليغ، وهي: المستوى المعرفي للناس، فهماً واستيعاباً، ومواجهة هذه المهمة غير سهلة أبدا، فنجد أن مستوى المتلقي كاشفا لنا عن مستوى قدرة العطاء المحمدي صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، فهو عطاء يبهر كل من يقف عليه، لانه يشاهد فيه روعة طريقية ايصال المعرفة السماوية الى اذهان عامة الناس، وابداع إدارته للمعرفة التي لديه، ما يضعنا على حقيقة اخرى وهي ان من اهم مفاتيح الدخول الى القرآن الكريم في عالم عطائه المعرفي على كل المستويات والابعاد الحياتية هو النبي الاعظم محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين، فلا يمكن تهميش هذا المفتاح الوحيد من نوعه في فهم القرآن الكريم والوقوف على معارفه اللامتناهية.
ثالثاً: ان الاحتياج الى النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين ليس فقط على مستوى تبين الاحكام الفقهية أو المسائل الاخلاقية او القضايا الاجتماعية، بل لما ان تتحدث الآية المباركة عن تبيانية هذا الكتاب العزيز لكل شئ، فإن فيه دلالة على عدم وجود مستثنى منه، وهنا يأتي الكلام في كيفية الوقوف على حقائق كل شئ، فهو صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين مصدر اساسي بل جوهري وحيد لمعرفة هذه الحقائق اللامتناهية التي اودعها الله تعالى في القرآن الكريم ومنه نجده في قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله واصحابه المنتجبين الحامل لما هو لا متناهي باذن الله تعالى.
رابعاً: يندفع بهذا ما قد يتصوره البعض بامكانيته فهم الآيات القرانية كيفما يريد وانى يريد، فان مقام البيانية قد وضح ان طريق الفهم لهذا الكتاب العزيز هو النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله فقط ، وببداهة لا يمكن تجاوزه ابداً، إذ أيعقل أن يريد أحدنا دخول الباب من دون مفتاحة ومفتاح القرآن الكريم الذي هو الأهم، بل هو الأوحد لهذه المهمة العملاقة وهي فهم القرآن الكريم فهما صحيحاً لمعرفة مراد الله تعالى في آياته وسوره المباركة وكما ينبغي.
نعم يبقى الكلام في كيفية الاستفادة من سيرته العطرة لما يحقق ما قدمناه من البحث فهذا امر مختلف، وبحث اخر، ليس هنا محله، اذ حديثنا هو اثبات اصل المطلب اولا، ومن ثم ياتي الكلام في كيفية الوصول الى هذا الأصل فهما بحثان مختلفان، وان كانا متصلين ببعضهما البعض بوجه من الوجوه.
واظن انه يكفينا هذا المقدار من البيان للفرق بين مقام البيان ومقام التبيان، والان لننتقل الى مفاتيح اخرى لفهم القرآن الكريم.
ولكن هنا وقبل ان نقف على على آيات اخرى لنقف على ما عليه معارف القران الكريم من تقسيمات في معارفه، فكم هي معارف هذا الكتاب العزيز، والى كم هي تنتهي في تقسيمها الهرمي، فهذا اما سنقف عليه باذن الله تعالى عليه بما يسع هذه الحلقات باذن الله تعالى.
وهذا ما سوف نتناوله في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.

هلال اللواتي

إلى الأعلى