الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الزعامة والمثقفون

باختصار : الزعامة والمثقفون

زهير ماجد

أثارني حوار نشرته صحيفة مصرية بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والمفكر الإسلامي خالد محمد خالد الذي كان اتحفنا بعدة كتب أبرزها” رجال حول الرسول” .. الجزء الاساسي في الحوار كان حول مفهوم الثورة التي أصر عليها عبد الناصر فيما تحفظ خالد معتبرا ان مايجري في مصر آنذاك نحول.
كان كلاما في العمق استند الى براهين بين الطرفين، لكن الاهم فيه، تلك العلاقة النموذجية بين زعيم نموذجي ومثقفين سواء اختلفوا معه او أيدوه، وكيف ان العقل الديمقراطي لعبد الناصر كان واضحا رغم ان عديدين شوهوا هذا المفهوم لديه. من المؤسف ان كثيرا من تلك التجربة الرائدة تم التشويش عليها بعد وفاته، مثلما شوهت تفاصيل كثيرة لمسيرته على شتى الصعد. اذ لم يحتضن رجل سياسة بحجمه، مثلما فعل مع مثقفي مصر والعرب .. فقد كان متابعا بدقة التفاصيل عن كل شاردة وواردة تخصهم، ولعلنا نذكر ماذا قيل في فيلم ” شيء من الخوف ” الذي قيل انه يتحدث عنه شخصيا وانه الذي سجن مصر وعذبها وفرض عليها ارهابه فتم منعه من العرض الى ان اطلع عليه عبد الناصر شحصيا فأمر بعرضه فورا لأنه لايمت بصلة الى ماقيل عنه. وخارج مصر، فعندما كتب الشاعر اللبناني سعيد عقل أحد دواوينه ” باللغة ” اللبنانية التي كان اخترعها وهي مستقاة من اللاتينية، أمر عبد الناصر بإيقافه عن العمل في احدى الصحف اللبنانية.
وليس هذا فقط، فالزعيم المصري انشأ ماسمي بعيد العلم عام 1963 وألقى فيه خطابه الشهير للتعريف بالعلم كما هو مفهوم في الحياة الانسانية الحديثة. واذكر ان خطابه هذا كان مطلوبا من طلاب التوجيهي نظرا لقيمته العلمية والفكرية.
كنت دائما ارى خيرا في امة عمل بعض قادتها على إدارة حوار ثقافي سواء بين مثقفي بلاده وبينه، او بينه ومثقفي الخارج .. لازلت اذكر كيف استضاف معمر القذافي المستشرق المعروف مكسيم رودنسون في حوار طويل، وكيف انه تبنى في البداية كثيرا من المثقفين العرب، وكذلك فعل صدام حسين يوم رأيت له صورا يزور فيها مثقفين عراقيين في مكاتبهم وفي طليعتهم الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي.
لم يتغير عبد الناصر حتى وفاته المبكرة، لكن الأمور اختلفت مع الآخرين، وربما مع غيرهما .. ظلت المسافة مقطوعة، فيما كانت التجربة الهائلة لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في لقاءاته السنوية مع كل شرائح المجتمع العماني بمن فيهم المثقفون، التجربة الديمقراطية بكل أبعادها المتحررة.
مجمل هذا صار تاريخا يركن اليه، تجربة يمكن العودة اليها للتذكر ولإلقاء التحية على زمن مضى فيما تستمر تجربة جلالته .. اليوم نشعر بقساوة المرحلة، وبأن المطلوب حماية الاوطان مما يخطط لها ومما يعمل على اسقاطها بحيث لايراد لها البقاء، بقدر اعادتها الى قرون سلفت .. انه صراع من أجل بقاء المجتمعات قبل ان ينخرها الارهاب ودوره كونه ولد من أجل غايات أعادتها إلى الوراء ونسف كل تقدم لها وسجنها في محاور تجربة قاتلة لايبقى فيها مجتمع متقدم ومتحرر وانساني. وهنا سر قيام الغرب بتوليد هذه التجربة المعتمة كي لاتقوم للأمة قائمة.

إلى الأعلى