الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الانهيار المفاجئ!

الانهيار المفاجئ!

السيد عبد العليم

” .. على المسئولين عموما في الوزارات او المؤسسات والشركات ان يستمروا في التعلم والنظر الى الواقع الحقيقي والتعاطي معه وعدم التكبر والتوقف عن التعلم. فاذا كنت لا تتغير وتستوعب التطورات الحديثة في عالم اليوم ومتطلباته فسوف تلفظ. واذا كنت لا تريد ان تتعلم اشياء جديدة ولم تستطع تطوير افكارك وعقليتك واللحاق بالزمن، فسوف تنتهي بمرور الوقت. فالانسان يظل ناجحا، ما دام يتعلم، فاذا اعتقد انه قد علم فقد حكم على نفسه بالفشل.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
غالبا ما يكون هناك اسباب واضحة لانهيار وسقوط الشركات والمؤسسات، وفي الغالب لا ينتبه اليها المسئولون المعنيون بتلك الشركات أو المؤسسات. ولعل ابرز ذلك يتمثل في عدم ادراك المسئول حقيقة التطورات المتلاحقة في الواقع الذي يعيش فيه وفي مدى استيعابه لتلك التطورات وتحديث نفسه وادارته لتواكب تلك التطورات. وعدم الوقوف عند الزمن الماضي الذي ربما يكون قد حقق انجازات كبيرة فيه، لكن فكره وادارته هذه قد تجاوزها الزمن، ويكون مطلوب ضخ فكر ودماء شابة جديدة قادرة على مواكبة التطور المتسارع.
ولنضرب هنا مثالين لهذا الانهيار الذي ربما مثل مفاجأة لأصحابه:
الأول: يتمثل في الاعلان عن العزم في اغلاق صحيفة السفير اللبنانية ذات التوجهات القومية الشهيرة مؤخرا بعد مسيرة طويلة بدأت في مارس 1974. واللافت في موضوع اعلان الاغلاق ـ الذي تم التراجع عنه فيما بعد ـ هو ما كتبه رئيس تحريرها ومؤسسها طلال سلمان في مقال عاطفي حمل فيه الأسباب على الاوضاع الداخلية اللبنانية واوضاع المنطقة ـ وكأن هذه الاوضاع وليدة اليوم أو كأن المنطقة كانت تعيش داخل الاتحاد الاوروبي مثلا وفجأة صحت لتجد نفسها في المنطقة العربية بأوجاعها ومشاكلها ـ ولم يعرض او يتطرق سلمان لأي قصور من جانبه. اي انه يلقي لائمة الانهيار على الغير دون ان ينظر الى نفسه وكيفية إدارته وهل توائم ذلك مع الواقع المعاش الذي تغير تماما عما كان عليه الحال في الماضي دون أن يستوعب رئيس التحرير والمؤسس لتلك التطورات ويتعاطى معها بفكر وادارة حديثة معاصرة.
المثال الثاني: خلال المؤتمر الصحفي للاعلان عن شراء شركة مايكروسوفت لشركة نوكيا، أنهى ستيف بلمر الرئيس التنفيذي لنوكيا كلمته قائلا”نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما خسرنا”. ثم اجهش بالبكاء هو وفريق ادارة شركته.
كانت نوكيا حتى سنوات قليلة خلت، شركة عملاقة تتربع على عرش سوق الهواتف النقالة في العالم. وفي لحظة هوت الشركة، كما تهوي الطائرة المنكوبة من عنان السماء الى سطح الارض.
مرد ذلك انه كان هناك تغيرات وتحولات كبيرة في عالم الهواتف النقالة لم تلتفت اليها ادارة الشركة. وتمثل جزء من ذلك في ظهور ما عرف بنظام تشغيل اندرويد وتطبيق جوجل بلاي او ما اشتهر باسم سوق جوجل المرتبط به، والذي يحوي اعدادا هائلة من البرامج المختلفة التي يتم تحميلها على الهاتف فيما مثل طفرة كبيرة وتحولا كبيرا في البرامج التي يقدمها من قبيل مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الترفيهية والتعليمية والالعاب وغيرها. الامر الذي حدا بشركات اخرى كانت نوكيا تتقدم عليها الى اقتناص الفرصة ودخول هذا النظام لتحقق طفرة كبيرة. بينما ظلت نوكيا تتشبث بنظام تشغيلها القديم المعروف بسيمبيان والذي لم يواكب تلك الطفرة التقنية التي باتت سمة العصر. ومن ثم كان هذا الانهيار المدوي لتلك الشركة التي كانت عملاقة بالامس وصارت خبرا اليوم. وذلك لانها لم تطور إدارتها وطريقة تفكيرها. بل ظلت متمسكة بإدارتها وفكرها القديم بينما تغيرت الدنيا من حولها. وظلت حبيسة الامس ولم تنظر في واقع اليوم والغد. ونست او تناست في لحظة حاسمة الحقيقة او النظرية الطبيعية المعروفة بالتكيف او الاقلمة. وهي ان الكائنات التي لا تتكيف مع بيئتها او واقعها تنقرض.
وفي الواقع، هناك كثير من الانظمة السياسية اشبه كثيرا بنوكيا ومن ثم كان سقوطها المدوي. وذلك عندما تمسكت باسلوب حكمها القديم ونخر الفساد في عظمها ولم تستوعب التطورات الحديثة في بلدانها ـ من حيث درجة وعي شعبها وخاصة فئة الشباب ـ وفي العالم الخارجي ـ من حيث التحولات السياسية والتكتلات التي تتشكل فيه والبحث عن المصالح بعيدا عما كان يعرف سابقا بالايديولوجيا او العقيدة السياسية التي كانت مسيطرة في سنوات الحرب الباردة بين الرأسمالية والاشتراكية ـ ومن ثم انهارت انظمة او تم الاطاحة بها بين عشية وضحاها رغم ما كانت تتحصن به من قوات جيش وشرطة وامن كانت تنحصر وظيفتها في حماية تلك الانظمة. وان كان هناك انظمة لم تتعظ من ذلك. ومن ثم فان احتمالية سقوطها هي مسألة وقت.
كما تنسحب حالة نوكيا على مؤسسات وشركات كثيرة قائمة في عالم اليوم. حيث لا تزال تسير في نفس اتجاه نوكيا ولم تتعلم او تستفد من تجربتها. فثمة ادارات تتشبث باسلوب ادارتها ونهجها القديم والذي يرجع الى عقود دون ان تطور نفسها وتفسح المجال لجيل الشباب الذي ربما كان هو ادرى بمتطلبات العصر الحاضر واوعى بتقنيات ومستجدات ذلك العصر الذي يختلف تماما عن عالم الامس. على سبيل المثال، فلينظر الكبار الى كيفية تعاطيهم مع جهاز مثل الهاتف الذكي وكيفية تعاطي الصغار فضلا عن الشباب مع مثل هذه الاجهزة ليلحظوا الفرق بين الاجيال. فالامر يحتاج الى بعد نظر واعادة التفكير في عالم اليوم والغد. وما يتطلبه ذلك من تطور فكري واداري لمواكبة التغيرات والتحولات الهائلة التي تحدث في عالم اليوم. وان حالة الالتفاف على ذلك اذا نجحت في تاخير السقوط لوقت محدود، فلن تنجح في منع وقوع الانهيار الى الابد.
فعلى المسئولين عموما في الوزارات او المؤسسات والشركات ان يستمروا في التعلم والنظر الى الواقع الحقيقي والتعاطي معه وعدم التكبر والتوقف عن التعلم. فاذا كنت لا تتغير وتستوعب التطورات الحديثة في عالم اليوم ومتطلباته فسوف تلفظ. واذا كنت لا تريد ان تتعلم اشياء جديدة ولم تستطع تطوير افكارك وعقليتك واللحاق بالزمن، فسوف تنتهي بمرور الوقت. فالانسان يظل ناجحا، ما دام يتعلم، فاذا اعتقد انه قد علم فقد حكم على نفسه بالفشل.
كما ان على المسئولين والمديرين الحذر التام مما يعرف بالحاشية او بطانة السوء التي يكون شغلها الشاغل محاولة إرضاء رئيسها بالنفاق وبظلم الغير وترسيخ الفساد في المؤسسة لتكون النتيجة اما الاطاحة بالمسئول او انهيار المؤسسة او الشركة. وربما كان الاجدى والانفع لكثير من الشركات فصل الملكية عن الادارة.
واخيرا، فلينظر كل مسئول حسب موقعه الى حالة نوكيا ويتعلم منها الدرس. فاما فهم الواقع واستيعاب المستجدات والتعاطي الحقيقي معها والاجتهاد في الاستفادة من الافكار المخلصة والهادفة والبناءة وليس الافكار الانتهازية الراغبة في تسلق الاكتاف من اجل الوصول فقط الى اعلى المناصب او تحقيق منافع شخصية دون علم ومعرفة وتخطيط صحيح، ناهيك عن التشبث بطريقة الادارة القديمة مهما كانت اخطائها وبعدها عن الواقع، والا فانه ربما يلقى نفس مصير صحيفة السفير أو نوكيا عاجلا او بعد حين.

إلى الأعلى