الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ

أبعاد

عبدالعزيز الروشدي

واقع الإسكان .. بين التحديات والحلول
خلال العام ٢٠١٤ سجلت وزارة الإسكان أكثر من نصف مليون طلب أرض في السلطنة. وفي مسقط وحدها بلغت الطلبات أكثر من ١٤٠ ألف طلب. في حين أنّ الوزارة قامت بتوزيع ما يقرب من ٢٠٠٠ قطعة أرض سنويا على مدى الخمس سنوات الماضية. منطقياً لا أظن بأنّ هذا التوزيع السنوي للأراضي يتناسب مع حجم الطلب السنوي على الأراضي في السلطنة، خاصة وأنّ هذه الزيادة في الطلبات مرتبطة بالنمو السكاني الذي تشهدهُ السلطنة في الأعوام الأخيرة.
وبلا شك فإنّ هناك تحدّيات أخرى غير النمو السكاني تؤخر من عملية توزيع الأراضي سنوياً لمستحقيها، منها الطبيعة الجغرافية الجبلية في بعض المناطق كمحافظة مسقط وغيرها. في حين أصبح امتلاك قطعة أرض ضمن نطاق المدن القائمة أمراً صعبا ومُكلفا في الوقت ذاته. ناهيك عن تباطؤ بعض الجهات المعنية بالتوسّع في إنشاء الأحياء السكنية الجديدة وتهيئة البنية الأساسية لها، ومدّ الخدمات الضرورية كخطوط الكهرباء والمياه. بالإضافة إلى نقص الكوادر المُتخصصة في مجال المسح والتخطيط. كل هذه الأسباب وغيرها أدّت إلى اتساع الفجوة. حيثُ أنّ بعض طلبات الأراضي في بعض ولايات السلطنة لا زالت مُعلقة مُنذ ما يزيد عن تسع سنوات.
فما هي الحلول إذن لتدارك هذه الأزمة ؟ وهل يُمكن القول بأنّ إيعاز هذه المهام التنظيمية والتنفيذية لجهة واحدة فقط قد يؤخر من عملية التوسّع العمراني وإنشاء أحياء سكنية جديدة ؟
أعتقد بأن على الجهات الحكومية المعنية في الوقت الراهن عقد الاتفاقيات مع مؤسسات القطاع الخاص، وتقديم الدعم والتسهيلات لشركات التطوير العقاري والمستثمرين المحليين والأجانب لبناء الوحدات السكنية ذات الجودة العالية وبأسعار معقولة، وتهيئتها بالخدمات الأساسية كالمدارس والأسواق وغيرها. ويأتي الدور كذلك على الجهات المعنية بالقيام بعملية الإشراف وسنّ التشريعات والقوانين لضمان إنجاز هذه المشاريع وغيرها في الوقت المُحدد لها وبأعلى معايير الجودة.
كذلك، تفعيل أنظمة القروض الإسكانية المُيسّرة والمخفضة الفائدة، سواء كان ذلك بتقديم التسهيلات لشراء الأراضي أو البناء. فبعض الجهات التمويلية تُقدم قروضاً بنسبة فائدة مرتفعة جداً قد تتجاوز في بعض الأحيان ٤٪‏ من قيمة القرض، ما يُثقل كاهل المُقترض ويضعهُ بين خيارين، إمّا الالتزام بسداد أقساطٍ شهرية لقرضٍ إسكاني قد يمتد لسنوات طويلة مع فوائد مرتفعة جداً، وإمّا استئجار مسكن مناسب إلى حين حصوله على أرضٍ سكنية أو قرضٍ للبناء.
من ضمن الحلول كذلك استغلال “الأراضي البيضاء” سواء تلك المُخصصة للاستخدام السكني أو التجاري. فهذه الأراضي تشغل حيزاً كبيراً داخل النطاق العمراني للمدن، مما يحد ذلك من تعمير المُدن وتوسّعها. فلا بد من استغلال هذه الأراضي سواء كان ذلك باستثمارها وتعميرها من قِبل مالِكيها أو فرض رسوماً سنوية عليها بنسبة لا تقل عن 2% ، خاصة إذا كانت هذه الأراضي ضمن نطاق المخططات المكتملة الخدمات، مما سيساهم في تعميرها ومنع الاحتكار. وبالتأكيد فإن الهدف من ذلك هو تطويرها وتشجيع مالِكيها على استغلالها واستثمارها للغرض المخصص لها عوضاً عن تركها هكذا دون فائدة.
وفي العام الماضي أصدرت وزارة الإسكان قرارها رقم (1/2015) والذي نصّ بتنظيم تملّك مواطني دول مجلس التعاون الخليجي للأراضي في السلطنة من حيثُ بناء الأرض خلال أربع سنوات من تاريخ تسجيلها باسم المالك، وإلا فإن للدولة حق التصرف بالأرض وتعويض المالك عن أرضه.
هذه الخطوة جاءت لحثّ المستثمرين على استثمار أراضيهم وتحقيق مبدأ التوازن بين العرض والطلب والحفاظ على هذا القطاع من المضاربات. لكن في الوقت ذاته أرى بأنه من غير المنطق أن يتم تطبيق هذا القرار على مُلّاك الأراضي من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي وعدم تطبيقه على مُلّاك الأراضي من مواطني السلطنة، رُغم أنّ الهدف واضح وهو تحقيق المصلحة العامة.
كذلك، ومن ضمن الحلول لإنعاش قطاع الإسكان هو إقامة المعارض العقارية التي تستهدف مُلّاك الأراضي والمستثمرين وأصحاب القرار. بحيثُ يتم استقطاب الشركات العقارية المحلية والعالمية، وذلك بغرض عرض خدماتها ومنتجاتها ومشاريعها العقارية المتكاملة أمام المستثمرين، والنظر في إمكانية الاستفادة منها. وذلك بلا شك سيكون فرصة لتشجيع الفئة المستهدفة لاستثمار أراضيهم واستغلالها الاستغلال الأمثل .
ختاماً، إنّ على الجهات المعنية وعلى رأسهم وزارة الإسكان دور كبير في المرحلة المُقبلة لإيجاد استراتيجيات وآليات فاعلة لسد هذه الفجوة الكبيرة في أوضاع الإسكان في السلطنة. كذلك فإنّه ينبغي التوجه نحو دراسة الأنظمة العالمية وإيجاد حلول فاعلة للإسكان. والتركيز على إقامة المعارض العقارية لتشجيع فرص الاستثمار في هذا المجال. مع الأخذ بعين الاعتبار مراجعة بعض سياسات القروض الإسكانية من ناحية تخفيض نسبة الفائدة، وتقديم خدمات تمويل إسكانية مُيسّرة وتسهيلات تتناسب وقُدرة المستفيد المالية.

عبدالعزيز بن محمد الروشدي
باحث في الشؤون الإقتصادية
a.alroshdi@squ.edu.om

إلى الأعلى