الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / هل تشتاق إلى الجنة ؟ (1)

هل تشتاق إلى الجنة ؟ (1)

إن الحديث عن الجنة، وصفتها، وما فيها من النعيم المقيم الذي لا ينفد تشتاق إليه النفوس، ويزيد به الإيمان، ويحلو به الكلام، وتطمئن به القلوب؛ لأن النفس تميلُ إلى معرفة الثمار التي من أجلها ترك الإنسان المحرَّمات وترك المكروهات ذكر للجنة عدة أسماء في القرآن، نذكر منها: دار السلام، في قوله تعالى:(لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام ـ 127)، ودار المقام، في قوله تعالى:(الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر ـ 35)، ودار الحيوان، في قوله:(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت ـ 64)، والفردوس، في قوله:(الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون ـ 11)، المقام الأمين، في قوله:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) (الدخان ـ 51)، ومقعد صدق، في قوله:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر 54 – 55).
يقول الله عز وجل في كرامة أهلها:)وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً،عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً) (الإنسان 12 ـ 22).
قال الله عز وجل في حديث قدسي:(أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على أثرهم لأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد، يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون ولا يتمخطون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة) أي: أعواد البخور.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن فيتمنى ويتمنى فيقول له هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(لو امرأة من نساء أهل الجنة أشرقت لملأت الأرض ريح مسك ولذهب ضوء الشمس والقمر).
فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرش الخالق الرحمن، وإن سألت عن قصورها فمن اللؤلؤ والفضة أو خالص العقيان، وإن سألت عن أشجارها فثمارها كيفما شئت انتزعت بأسهل الإمكان، وفواكه شتى تنوعت ألوانها وطعومها وتزينت على الأغصان، وإن سألت عن أنهارها فهاك وصفها من القرآن.
قال تعالى:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ) (محمد ـ 15)، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة)، بل إن إبراهيم ـ عليه السلام ـ يحرض أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ويحثها على الذكر لأنه غراس الجنة عن أبي مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
ولقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يبعث الهمم ويشحذ النفوس ويرغبها في الجهاد لم يزد على أن يقول: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض كما في غزوة بدر، فتمتلئ نفوس المسلمين بشجاعة خارقة للعادة وشوقاً غريباً للجنة واستهانة نادرة بالحياة حتى كان الجنة أمامهم يرونها رأي العين، فلا تنشغل نفوسهم إلا بنعيمها ولا يفكرون إلا في الوصول إليها.
لما انهزم المسلمون في أحد ووجد أنس بن النضر تخاذل بعض الناس أسرع ليقاتل المشركين فاستقبله سعد بن معاذ فقال له: إلى أين؟ فقال أنس: واها لريح الجنة، أجده دون أحد. فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وطعنة ورمية. ومن الأسباب التي تجعل الإيمان بالجنة ومعرفة نعيمها وأوصافها على غاية كبيرة من الأهمية في حياة المسلم أن معرفتك بالجنة تجعلك لا تنخدع بزخارف الحياة الدنيا الفانية..
دخل رجل على أبي الدرداء ـ رضي الله تعالى عنه ـ فما وجد في بيته شيئا مما يجمعه الناس من متاع الدنيا فقال الرجل لأبي الدرداء: أين متاعكم؟ فقال أبو الدرداء: لنا دار هناك يقصد الآخرة نرسل إليها تباعاً كل ما نحصل عليه من متاع، ولو كان استبقينا في هذه الدار شيئاً لبعثنا به إليكم ثم في طريقنا إلى تلك الدار يعني الآخرة يقصد الحساب يوم القيامة المخف فيها خير من المثقل، فأردنا أن نتخفف من أثقالنا علنا نجتاز، ثم قال للرجل: هل فهمت؟ قال: نعم، إنه دعوة، والداعي هو ربنا الرحمن في كتابه العظيم القرآن (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله)، (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) ..إنها دعوة مهيبة ورسالة كريمة إلى حيث الراحة والاطمئنان والأمن والأمان والروح والريحان.
* (المصدر: من عدة مراجع).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى