الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بين الفاعلية والدَعَة (2)

بين الفاعلية والدَعَة (2)

يا عبد الله أسأل نفسك: إذا أردت أن تكون لك ذرية فماذا تفعل؟ وإذا أردت أن تكون لك ثروة ومالاً فماذا تفعل؟ وإذا أردت علمًا وتفوقًا في الدراسة فماذا تفعل؟ وإذا أردت شفاءً من مرض فماذا تفعل؟ أتقبع في بيتك وتظل في ساكنًا مكانك؟ أم أنك تأخذ بالأسباب؟.
لاشك أنك تأخذ بالأسباب وتعتمد على الله تعالى في تحقيق ذلك فمن أراد الذرية، فعليه بالزواج، ويدعو الله تعالى ويعتمد عليه في تحقيق ذلك، ومن أراد الثروة والمال، فعليه بالسعي والعمل، ويدعو الله تعالى ويعتمد عليه في تحقيق ذلك، ومن أراد الشفاء والعافية، فعليه بالعلاج والتداوي، ويدعو الله تعالى ويعتمد عليه في تحقيق ذلك، ومن أراد العلم والتفوق فيه، فعليه بالجد والاجتهاد، ويدعو الله تعالى ويعتمد عليه في تحقيق ذلك، وهكذا في بقية الأمور.
إن التوكل على الله أعم من أن يكون في تحصيل المنافع والمصالح وتحقيق المكاسب والأهداف الدنيوية، فهناك ما هو أعظم وأفضل وأبقى وأنفع للعبد إنها الآخرة يقول الله تعالى:(والآخرة خير وأبقى) (الأعلى ـ 17).
إنها السعادة الأبدية. إنها النجاة من النار والفوز بالجنة، يقول الله تعالى:(فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (آل عمران ـ 185).
فإذا كانت المنافع الدنيوية لا تتحقق إلا بالأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله في تحقيقها، فمن باب أولى السعادة الأبدية لا تتحقق إلا بالأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله تعالى في تحقيقها، وأسباب السعادة الأبدية تتمثل في الإيمان الخالص والعمل الصالح، قال الله تعالى:(والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) لذلك نعى على أهل الكتاب حين تمنوا بأنهم يدخلون الجنة لكونهم يهودًا أو نصارى، فقال سبحانه:(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة 111 ـ 112).
فإسلام الإنسان نفسه لله تعالى مع الإحسان هو التوكل الذي أمر الله تعالى به خلقه؛ إذ الإسلام هو الخضوع والطاعة لله رب العالمين، والإحسان أن يعبد الإنسان الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله يراه.
كما نعى الله تعالى على الذين يتمنون الأماني الفارغة من هذه الأمة بأنهم ناجون بمجرد الانتماء لهذا الدين وإن تركوا العمل الصالح، وفعلوا ما فعلوا من المعاصي، وبين لهم طريق النجاة، فقال سبحانه وتعالى:(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا) (النساء 123 ـ 124).
جاء في تفسير المنار عن الإمام محمد عبده: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم: إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنا به أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح; لأن قوله تعالى:(يعدهم ويمنيهم) في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورا بدينهم، إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص، ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون؛ وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) بدليل قوله تعالى في سورة الحديد في الآية (16):(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان.
وقال الشيخ الشعراوي: كل هذه أماني خادعة لأن منهج الله واحد على الناس أجمعين، من انتسب للإسلام الذي جاء خاتمًا فليعمل لأن القضية الواضحة التي يحكم بها خلقه هي قوله سبحانه:(مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا).

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى