الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (22)

(نفحة رمضانية مباركة) (22)

أيها الصائمون والصائمات: قال الأوزاعي: (من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير)، وقال مالك بن مِغْوَل:(من قصر أمله هان عليه عيشه)، وقال الداراني:(ينبغي للعبد المعني بنفسه أن يميت العاجلة الزائلة المتعقبة بالآفات من قلبه بذكر الموت وما وراء الموت من الأهوال والحساب ووقوفه بين يدي الجبار)، وقال النضر بن المنذر:(زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر).
إن من الواجب علينا معرفة الغاية التي خلقنا الله من أجلها، قال تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) هذه هي الغاية التي خلق الله الخلق من أجلها فاشغل بها فكرك واملأ بها أوقاتك وإياك أن تكون ممن غفل عن هذه الغاية فتندم يوم القيامة مع النادمين,قال الله تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) هذا الصنف من الناس عندما يسأل في قبره عن الغاية التي خلق من أجلها يقول: ها ها لا أدري! لأنه كان في الدنيا.
ومن الضرورة بمكان تحديد هدفك في الحياة، فإنسان بدون هدف لا قيمة له ولا وزن له بين الناس, وما ضيع المضيعون وأنفقوا حياتهم في اللهو واللعب إلا بسبب عدم تحديد الهدف, واعلم أن أعظم أسباب التخلص من الغفلة هو تحديد الهدف بصدق, فقف مع نفسك وقفة صادقة واسألها ما هو هدفي في هذه الحياة؟ وعند تحديد الهدف انظر في سير العظماء من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى ورضي عنهم وانظر كيف كانت أهداف القوم, وإليك مثال من هؤلاء أبو إدريس الخولاني كان يقول: أيظن أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لُتُزاحمَنَّهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً، هذا هدف من أهداف القوم, فأين شباب المسلمين من مثل هذا الهدف وغيره من الأهداف السامية بدلاً من الأهداف التافهة التي نسمعها كثيراً من شبابنا؟!.
واختيار الصحبة الصالحة من أهل اليقظة والهمة العالية في طلب الآخرة هي ديدن كل عاقل، قال الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وسلم):(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ،فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل).
وعَنْ أَبِي مُوسَى ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)، وتدبر كيف نال كلب أهل الكهف بركة الصحبة الصالحة لأن (من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل الفضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ:(لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ)، واعلم أن كل صحبة لا تبنى على تقوى الهَ فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة, كما قال تعالى:(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) .. فاختر لنفسك أخي المسلم صاحباً, وكما يقولون: الصاحب ساحب!.
ومن الأهمية كذلك طلب العلم الشرعي، فالعلم دواء لصاحبه من كل الأمراض القلبية – إن شاء الله – العلم نجاة في زمن عمت فيه الفتن وطمت,العلم هو المصباح في زمن أظلمت فيه دروب الناس وقلوبهم إلا من رحم ربي.
قال الإمام الآجري:(فَمَا ظَنُّكُمْ ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ بِطَرِيقٍ فِيهِ آفَاتٌ كَثِيرَةٌ, وَيَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى سُلُوكِهِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِصْبَاحٌ وَإِلَّا تَحَيَّرُوا, فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ مَصَابِيحَ تُضِيءُ لَهُمْ، فَسَلَكُوهُ عَلَى السَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ, ثُمَّ جَاءَتْ طَبَقَاتٌ مِنَ النَّاسِ لَابُدَّ لَهُمْ مِنَ السُّلُوكِ فِيهِ, فَسَلَكُوا, فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ طُفِئَتِ الْمَصَابِيحُ, فَبَقُوا فِي الظُّلْمَةِ, فَمَا ظَنُّكُمْ بِهِمْ؟ هَكَذَا الْعُلَمَاءُ فِي النَّاسِ).
قال علي بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه:(يا كميل بن زياد! القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة).
قال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في جوهر النظام:
والعلماء قد جاء في الصحاح
بأنهم في الخلق كالمصباح
وأنهم للأنبياء ورثة
فمن يكن أولى بشيء ورثة
وجاء أيضا في ذوي العلوم
بأنهم في الناس كالنجوم
لأنه لا شك للبصائر
نور كمثل العين للظواهر
واعلم بأن العلماء قالوا
الأغنياء لهم الأموال
قد جمعوا الكنوز ألفاً ألفاً
وقد جمعنا العلم حرفاً حرفاً
ولو بحرف واحد أعطونا
ألفاً من الأموال ما رضينا
وعليكم بالدعاء والتضرع إلى الله، فقد كان من دعاء رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ)، فالدعاء سلاح المؤمن وملاذه فعلينا أن نتضرع إلى الله عز وجل أن يصلح قلوبنا وينجنا من الغفلة.
وعندي رسالة أحب أن أوصلها
لمن أصر على الغفلة ولم يفق؟
يا حليف النوم والوسادة، يا أسير الشهوات وقد نسي مَعَادَه، يا قليل الزاد مع قُربِ مماته، أما آن لك أن تفِيق من تلك الرُقَادة، لقد ربح القوم وأنت نائم، وَخِبْتَ ورجعوا بالغنائم، بالليل نائم وبالنهار هائم وتعيش عيش البهائم، ثم تدعي أنك فاهم وأنت لا شك واهم.
يا مَنْ شاب وما تاب، أموقنٌ أنت أم مُرْتاب، مَنْ آمن بالسؤالِ فليُعدَّ له جواب، وللجواب صواب.
يا مَنْ كلما طال عمره زاد ذنبه، يا مَنْ كلما ابيض شَعْرُه اسوَّدَ بالآثام قلبه.
يا مَنْ ضيَّعَ عمرَه في غير طاعة، يا مَنْ بضاعته التسويف والتفريط فَبِئْسَت البضاعة، إلى متى هذا التسويف، ولا ينفعُ فيك وعظٌ ولا تعنيف، إذا وُعِظت لم تنتفع وإذا رُدِعْتَ لم ترتدع، وإذا لم تجد جواباً قلت لم أقتنع، هذا كتاب الله لو أُنزل على جبلٍ رأيته يتصدع، ومع ذلك فلا قلبٌ لك يخشع ولا عينُ تدمع، أين الخشوع والخضوع أين البكاء وجَرَيانُ الدموع أين التوبةُ والرجوع.
إلى متى هذا التقصير، وإلى البلى المصير، أو ما علمت أن العمر قصير ولم يبق منه إلا اليسير، فتزود للسفر الطويل، ولا تتكلم بغير تفكير ولا تعمل بغير تدبير، ولا يشغلنك أحدٌ عن جد المَسِيْر، ولا تُضَيِّعُ الأوقات النفيسة في الأفعال الخسيسة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فَرَوِّضْهَا القناعة.
سبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك.

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى