الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من بلاغة الحذف في القرآن الكريم

من بلاغة الحذف في القرآن الكريم

الجملة العربية يعتريها كثيرٌ من العوارض، كالتقديم والتأخير، والفصل، والحذف والتقدير، ونحوها من الأمور المقررة عند النحويين، وبعضُ الناس يرى أن البلاغة تقتصر على الذِّكْر، وأن الأصل في الكلام الذكر، والحذف شيء عارض، قلما تركن إليه اللغة، وهو فهم قاصر، إذ الخذف أحياناً كثيرة يكون أبلغ من الذِّكْر، وجاءت كلمات العرب ترمي إلى ذلك، فأنت تسمع – على سبيل المثال: (رُبَّ صمت خير من الكلام)، (ورُبَّ إشارة أبلغ من عبارة)، و(رُبَّ مسكوت عنه أولى من منطوق به)، (وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ، ولم يطلْ فيملَّ)، وحذف (ما يعلم جائز)، ويحذفون ما يمكن الاستغناء عنه، حتى إنك تطالع هذه الظاهرة واضحة في العديد من أبيات ألفية ابن مالك، ومنها قوله:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
تقول (زيد) بعد: من عندكما
ويقول:
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ قُلْ دَنِفْ
(فَزَيْدٌ) (اسْتُغْنِيَ عَنْهُ إذْ عُرِفْ)
ويقول :
وَالْحَذْفُ في “نِعْمَ الْفَتَاةُ” اسْتَحْسَنُوا
لِأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ
ويقول: وَقَدْ يَتُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّْ
كًجِدَّ كلَّ الجدِّ وافْرَحِ الْجَذَلْ
ويقول في اتساع الحذف:
وحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ
وفي سِوَاهُ لدليلٍ مُتَّسَعْ
ومَا لِتَفْصِيلٍ كَإمَّا مَنَّا
عامله يحذف حيث عنا
وفى باب حذف الفضلة في باب التعدّي واللزوم تجد الحذف قد يتحول إلى حذف واجب، كما يقول ابن مالك:
وحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
ويُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
وقد يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا
فكثير من تراكيب القرآن الكريم قائمة على الحذف ، فللحذف أغراضٌ وأهدافٌ، ومرامٍ، كما هو الحال في الذِّكْر، ونستعرض هنا شيئا من تلك الحُذُوفِ؛ لنقف على بعض دلالاتها، ووجوه إعجازها لنثبت أن الذكر إعجازٌ، وأن الحذف كذلك إعجازٌ، وأن القرآن سواء أسهبَ أو أوجز، ذَكَرَ أو حَذَفَ فإن ذلك كله داخل في طريق الإعجاز، وقديما قالوا:)الإيجاز هو الإعجاز(.
وأول مثال على بلاغة الحذف يقول فيه الله تعالى:(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، نجد هنا فعلين اثنين، هما:(أعطى واتقى)، والفعل الأول (أعطى) يتطلب مفعولين، والفعل الثاني (اتقى) يتعدى إلى مفعول واحد، غير أن القرآن الكريم حذف كلا الأمرين، أو الكلمتين في الأولى، والكلمة الواحدة في الثانية، ولو تأملنا ما حذف من الفعل الأول (أعطى) لراح وذهب كلٌّ منا في تقديره كل مذهب، فواحد يقول: أعطى الفقير مالاً، والآخر يقول: أعطى ماله المحتاج إليه، وثالث يقول: أعطى الناسَ مسألتَهم، ورابع يقول: أعطى قدرتَه الضعيفَ، وخامس يقول: أعطى دعاءَه المريضَ، وهكذا لا تتناهى هذه التقديرات، فحذفَ القرآنُ الكريمُ ذلك لتذهب نفسُ المعطِي كلَّ ما يمكن أن يُعطَى، فتستوعب جميع أعطيات البشر، وما يعتلج، ويعتمل في صدورهم وذواتهم من أمور، يمكنهم أن يعطوها لمستحقيها، وكأنَّ التقدير: أعطى كل ما في صدور البشر وقلوبهم وعواطفهم كلَّ مستحِقٍّ للعطاء، فأوجز القرآن الكريم هنا لتضمينه كلَّ هذه الدلالات ، وأما الفعل (اتَّقى) فقد حُذِفَ مفعولُه ، ويمكن تقديره بأحد التقديرات الآتية :اتقى الله، اتقى الدار الآخرة، اتقى منازل القيامة، اتقى ظلمة القبر، اتقى النار، اتقى الجحيم الأخروي، اتقى غضب الله، اتقى سخط الله ، كلُّ ذلك التقدير يدخل في المتقَى، فترك القرآن الكريم هذا المتقَى؛ لتذهب نفسُ المتقِي فيه كلَّ مذهب في هذا المتَّقَى ، ويستطيع أن يأخذ كل واحد من المسلمين حظَّه منه، بدل أن يُحَدَّدَ سلفًا ، فتحدَّد جهته، ولا يدخل فيها غيرها.
ومثال آخر على بلاغة الحذف، حيث يقول الله عز وجل فيه:(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ).
وهنا الفعل:(مَسَّكَ) الذي هو بوزن (فَعّلَ)، وهو ثلاثي مزيد بالتضعيف، يعنى أنه جعل الناس يمسكون به، ويلتزمونه، ويتعلقون به، ويعتصمون بحَبْله، ولكن المفعول به محذوف، فالسؤال هنا هو:(يمسكون بماذا؟، ويمسكون من؟)، ويكون التقدير يمسِّكون غيرَهم، أو أولادَهم، أو إخوانَهم، أو عشيرَتَهم، أو أزواجَهم، أو أنفسَهم، أو الناسَ أجمعين، وقد حذف القرآن الكريم المفعول هنا ليطلق للداعية العنانَ لنفسه، ويجتهد ليمسِّك نفسَه وغيرَه: رجالا ونساءً، شباباً وشيباً، سُودًا وبِيضًا، كبارًا وصغارًا، أو مَنْ يعيشون شرقاً أو غرباً، أو شمالاً أو جنوباً، أو في الجبال، أو في السفوح، حَذَفَهُ ليعمل الداعية بكلِّ جهده، ويستفرغ أقصى طاقته في تمسيك الناس بالكتاب: ظاهراً وباطناً، عملاً وقولاً، التزاماً ودعوة، دفاعاً واستماتة في سبيله.
فقد حقق الحذف مقصود القرآن الكريم وغاياته وأهدافه، ولم يشأ القرآن أن يحدد شيئاً بعينه، ولا صنفاً من الناس بذواتهم، أو شريحة من شرائحهم، وإنما أطلق جهود الداعين لبذل أقصى جهد بشري ممكن.
ويقول الله عز وجل في آية أخرى، جاء فيها حَذْفُ جزءٍ من أركانها وعناصرها الأساسية:(وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ..)، فقد ذكر هنا وفي حال التوديع الضمير العائد على النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو الكاف التي في آخر الفعل (ودَّع):(ما ودعك)، وذلك لأن التوديع فيه حنانٌ، وشفقة، وحدبٌ، ورأفة، يقال: ودَّع المسافر الناسَ: فارقَهم مُحَيِّيًا لهم، وهم كذلك شيَّعوه، وفارقوه، متمنِّين له دَعَةً يصيرُ إليها إذا قفل عائدا إلى بيته، فالفعل (ودَّع) الذى يحمل معنى الحب والرأفة، والشفقة والرحمة، والخوف على الإنسان، والدعاء له، وتمنِّي حياة الدَّعةِ والسكون، والاستقرار له حمل هذا الفعلُ ضميرَه الشريف: (ودعك) بالخطاب الواضح الصريح، فنال به الشرف الكبير، بتوديع ربه له، ورحمته إياه، وشفقته عليه، وضمِّه إلى ساحته، وأخذه في رحابه وظله.
أما الفعل (قلى) الذي يحمل معنى الكُرْهِ والبُغض والهجر، فلم يشأ أن يضع ضمير حبيبه فيه، ولم يُعِدْهُ إليه فيقول:(ما ودعك ربك وما قلاك)، تحقيقاً لمعنى لفظي، هو تناغم أواخر الآيات الذى هو السجع أو توافق الفاصلة لأن الآيات كلها تنتهي بألف القصر:(الضحى ـ سجى ـ قلى ـ الأولى ـ ترضى ..)، وتحقيقا كذلك لمعني معنوي كبير، هو بيان منزلة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوضيح مكانته، وأنه عند ربه صاحب القِدْحِ المُعَلَّى، والمنزلة الأسنى، فلا يمكن أن يجعل ضميره في فعل يعنى الكره والبغض، والهجر والنفور، إنما يضعه في مقام كريم، مع الحب والسعادة والسرور والحبور.
إن مكانة النبيِّ عند ربه أسمى من أن تكون داخلة على أيِّ فعل، أو في أيِّ تركيب، حتى مع الأنبياء أنفسهم ـ عليهم السلام ـ يقول في حق سيدنا موسى ـ عليه السلام:(ولتصنع على عيني)، أي أنت موجود خارجها، ومرعيّ جانبك، ونراك، ونصنعك ونرعاك، وأما في حق رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) فيقول:(فإنك بأعيننا) أي فيها، فأنت داخلها، ومحفوف بالعناية، ومحوط بالرعاية، ومشمول بالحفظ، ومكفول الجانب من ربك الكريم، نسأل الله تعالى أن يبصرنا بجمال الحذف في القرآن الكري ، ويقفَنا على جلاله وكماله، وأن يمتعنا بتذوق المذكور، وبتذوق المحذوف ، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة قدير، نِعْمَ المولى، ونعم النصير، وصلِّ اللهم، وسلمْ، وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى