السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الفراسة قرينة الإيمان

الفراسة قرينة الإيمان

إننا نعيش في زمن ووقت يحتاج فيه المؤمن أن يكون يقظاً فطناً لديه شيء من الفراسة وإلا لتخطّفته الرياح ولعبت به كما لعبت بغيره، والأصل في المؤمن أن يكون ذكياً لا أن يكون ساذجاً، تمرّ من بين يديه أمور وأمور وهو لا يدري. وخلاصة أمر الفراسة أنها تحتاج إلى إيمان وتقوى، فكلما كان العبد أكثر إيماناً كلما فتح الله على قلبه وأعطاه فراسة في الأمور فصار يرى ما لا يرى غيره. وقد حصل للصحابة وأكابر السلف من هذا الكثير.روي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجّاراً، وقال الآخر: بل حدّاداً، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال: كنتُ نجاراً وأنا اليوم حداد.
وقال ابن القيم: كان الصّديق ـ رضي الله عنه ـ أعظم الأمة فراسة وبعده عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ووقائع فراسته مشهورة فإنه ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته: موافقته ربه في المواضع المشهورة.فمن ذلك أنه قال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مُصلّى فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وقال: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبّن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نساؤه في الغيرة فقال لهن عمر:(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك، وشاوره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أسرى يوم بدر فأشار بقتلهم ونزل القرآن بموافقته، قال ابن القيم: وفراسة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أصدق الفراسة..وقال الحارث بن مرة نظر إياس بن معاوية إلى رجل فقال هذا غريب وهو من أهل واسط وهو معلّم وهو يطلب عبداً له آبق، فوجدوا الأمر كما قال، فسألوه فقال رأيته يمشي ويلتفت فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط، فعلمت أنه من أهلها ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال فعلمت أنه معلم، ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بذي أسمال تأمله فعلمت أنه يطلب آبقاً .. ومن الفراسة غير ما تقدم ما يسمى بالفراسة في تحسين الألفاظ وهو باب عظيم اعتنى به الأكابر والعلماء، وله شواهد كثيرة في السّنة وهو من خاصية العقل والفطنة، فمن ذلك: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران فقال لوزيره الفضل بن الربيع ما هذه؟ قال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين ولم يقل الخيزران لموافقته لاسم أمه، ونظير هذا أن بعض الخلفاء سأل ولده وفي يده مسواك ما جمع هذا قال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين، وخرج عمر ـ رضي الله عنه ـ يعس المدينة بالليل، فرأى ناراً موقدة في خباء فوقف وقال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أهل النار، وسئل العباس أنت أكبر أم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال هو أكبر مني وأنا ولدت قبله. وأصل هذا الباب قول الله تعالى:(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ..).
ومن الفراسة، التأمل والنظر في عواقب الأمور ومآلاتها فعلاً وتركاً، وهذا هو المقصود الأعظم في باب الفراسة، وهو ما يسمى بفقه المقاصد في الفعل والترك، النظر في عواقب الأمور، وعدم الاقتصار على النظرة السطحية القريبة، وهذا أمر لا يُفتح لكل أحد، ومن رزق هذا الباب فقد أوتي خيراً كثيراً، هذه المسألة من المسائل المهمة جداً، والتي يترتب على الإخلال بها وعدم فقهها فوات كثير من المصالح. فأحياناً يكون هناك تعارض بين مصلحتين لايمكن الجمع بينهما، فما العمل؟ وأحياناً تتعارض مفسدتان لايمكن الخلو من أحدهما، فما العمل؟ وأحياناً تتعارض مصلحة ومفسدة لايمكن التفريق بينهما، بل فعل المصلحة مستلزم لوقوع المفسدة، وترك المفسدة مستلزم لترك المصلحة، فما العمل؟ وهذا باب واسع ومهم جداً، ونحن في واقعنا المعاصر كثيراً ما نحتاج إليه أكثر مما سبق من الأوقات والمتأمل في واقعنا يجد التعارض في كل شيء، ما من قضية إلا وهناك العقبات والمعوقات والتعارضات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على البعد عن الدين، نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته، ومن الفراسة: أن يعرف المؤمن المجرمين في مجتمعه بسيماهم، وأن يعرفهم في لحن القول بفلتات لسانهم، وما تخطّه أيديهم أحياناً، ومن الفراسة: معرفة أهل الحق المخلصين، تعرفهم بحرب المبطلين لهم، وتعرفهم بشنآن أهل الشهوات لهم، تعرفهم بصدق اللهجة، واضطراد المنهج، وتعرفهم بمحبة الناس لهم، وتعرفهم بما يحقق الله على أيديهم من الخير، وما يُكَفّ بسببهم من الشر عن الناس، وهذه فراسة مع كل أسف لا تظهر لكثير من المسلمين. وإلى الله المشتكي.
القارئ الكريم: لما كان الناس قريبون من ربهم، متمسكون بالدين، قلباً وقالبا، ظاهراً وباطنا، كثر أهل الفراسة في الناس وقلّ عدد الأغبياء، وحصل بسبب ذلك خير كثير، ولما بعُد الناس عن الدّين والله المستعان حصل العكس من ذلك وكثرت الفتن، يقول سفيان الثوري: كان العلماء يعرفون الفتن قبل أن تقبل وقبل أن تأتي، فإذا ذهبت عرفها الناس، واليوم تقبل الفتن فإذا ذهبت عرفها العلماء.
وأخيراً: فإن المسلم الملتزم حقيقة له قضية يعيش من أجلها، وليس حاله كحال الدهماء، والقضية التي يعيش من أجلها تحتاج إلى فراسة وذكاء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنجز قضيتك بالغفلة والسذاجة. بل لابد من الفراسة وهذه لا ينالها كل الناس بل فقط المخلصون لربهم في كل وقت وحين نسأل الله السلامة وحُسن الخاتمة .. اللهم آمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة / سوق مطرح

إلى الأعلى